آفَاقُ الِاحْتِكَاكِ الحَضَارِيِّ وَأَسْرَارُ الِاسْتِعْدَادِ الرُّوحِيِّ لِحَجِّ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ

لَا تَقْتَصِرُ مَصَادِرُ الثَّقَافَةِ الإِنْسَانِيَّةِ عَلَى صَفَحَاتِ الكُتُبِ، أَوْ سُطُورِ الصُّحُفِ، أَوْ مَا تَبُثُّهُ المَنَصَّاتُ الإِعْلَامِيَّةُ المَرْئِيَّةُ وَالمَسْمُوعَةُ فَحَسْبُ؛ بَلْ تَمْتَدُّ جُذُورُهَا الحَقِيقِيَّةَ لِتَشْمَلَ التَّفَاعُلَاتِ البَيْنِيَّةَ الرَّاقِيَةَ بَيْنَ الأَفْرَادِ وَالشُّعُوبِ، وَاللِّقَاءَاتِ الحَضَارِيَّةَ المَجِيدَةَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ المُجْتَمَعَاتِ.
وَفِي ظِلِّ تَتَبَايَنُ عَادَاتُ الأُمَمِ، وَتَتَمَايَزُ تَقَالِيدُهَا، وَسُبُلُ مَعِيشَتِهَا، بَلْ حَتَّى تَصَوُّرَاتُهَا وَطُرُقُ تَعَامُلِهَا مَعَ مَجْرَيَاتِ الحَيَاةِ؛ فَإِنَّ أَيَّ تَوَاصُلٍ بَشَرِيٍّ مَهْمَا دَقَّتْ صُورَتُهُ يُسْفِرُ حَتْمًا عَنْ تَبَادُلٍ ثَقَافِيٍّ خَصِيبٍ، وَتَطَوُّرٍ مَعْرِفِيٍّ مُسْتَمِرٍّ، وَاكْتِسَابٍ لِخِبْرَاتٍ جَدِيدَةٍ، وِفْقَ قَانُونِ التَّأْثِيرِ وَالتَّأَثُّرِ المُتَبَادَلِ.
وَفِي الْوَاقِعِ، فَإِنَّ تَمَايُزَ الشُّعُوبِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ اللَّوْنِ أَوِ الْعِرْقِ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى تَنَوُّعِ الْأَفْهَامِ، وَتَبَايُنِ الْمَعَارِفِ، وَتَعَدُّدِ اللُّغَاتِ الَّتِي تُشَكِّلُ هُوِيَّةَ كُلِّ أُمَّةٍ وَتَصْنَعُ كَيَانَهَا.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأُمَمَ الْمَلِيئَةَ بِالْحِكْمَةِ هِيَ وَحْدَهَا الْقَادِرَةُ عَلَى اسْتِيعَابِ ثَقَافَاتِ الْآخَرِينَ، وَاحْتِوَاءِ مَعَارِفِهِمْ بِعَقْلٍ مُنْفَتِحٍ وَأُفُقٍ رَحِيبٍ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ الكَوْنِيِّ، يَبْرُزُ الحَجُّ الأَكْبَرُ كَأَعْظَمِ حَدَثٍ لِلِاحْتِكَاكِ الحَضَارِيِّ عَلَى وَجْهِ البَسِيطَةِ؛ حَيْثُ تَتَلَاقَى شُعُوبٌ مُتَعَدِّدَةُ الأَجْنَاسِ، وَتَتَمَازَجُ الثَّقَافَاتُ عَلَى تَبَايُنِهَا، وَتَخْتَلِفُ الأَلْسُنُ وَالأَفْهَامُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ.
فِي هَذَا اللِّقَاءِ المَهِيبِ، يُصْنَعُ جِسْرًا فَعَّالًا لِلتَّفَاهُمِ الإِنْسَانِيِّ، يَقُودُ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ إِلَى تَقَارُبٍ وَتَلَاحُمٍ وِجْدَانِيٍّ عَمِيقٍ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ غَايَاتٍ تَعَبُّدِيَّةٍ نَقِيَّةٍ وَفَرَائِضَ رَبَّانِيَّةٍ تُسْهِمُ فِي صَهْرِ المَشَاعِرِ، وَتَأْلِيفِ القُلُوبِ، وَانْسِجَامِ الخَوَاطِرِ تَحْتَ لِوَاءِ التَّوْحِيدِ.
وَلِمَنْ تَشَوَّقَتْ نَفْسُهُ، وَتَاقَتْ رُوحُهُ لِأَدَاءِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ المُقَدَّسَةِ؛ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الحَجَّ مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ البَدَنِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ، وأَنَّ الرِّحْلَةَ لَا تَبْدَأُ مِنَ المَطَارِ أَوِ المِيقَاتِ، بَلْ تَنْطَلِقُ مِنْ أَعْمَاقِ القَلْبِ؛ بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ تَمْحُو مَا مَضَى، وَرَدِّ المَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا.
فَهُمَا أَعْظَمُ آدَابِ السَّفَرِ المُبَارَكِ، وَأَسْمَى شُرُوطِ القَبُولِ وَالفَوْزِ بِالحَجِّ المَبْرُورِ.
فَقَبْلَ أَنْ يَشُدَّ قَاصِدُ البَيْتِ الحَرَامِ رِحَالَهُ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ مَكَّةَ؛ لِزَامًا عَلَيْهِ أَنْ يَنْفُضَ عَنْ كَاهِلِهِ تَبِعَاتِ الخَلْقِ، فَيَتَحَلَّلَ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ كَافَّةً؛ سَوَاءٌ كَانَتْ أَمْوَالًا مَادِّيَّةً يَجِبُ رَدُّهَا، أَوْ مَظَالِمَ مَعْنَوِيَّةً خَفِيَّةً كَتِلْكَ الَّتِي تَنَالُ مِنَ الأَعْرَاضِ وَتَجْرَحُ النُّفُوسَ؛ إِذْ لَا تَطْهُرُ خُطُوَاتُ السَّيْرِ إِلَى اللهِ، وَفِي عُنُقِ المَرْءِ مَظْلَمَةٌ لِإِنْسَانٍ.
فَالحَجُّ المَبْرُورُ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مَاحٍ لِلذُّنُوبِ، يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَيَمْحُو فَيِضُ رَحْمَتِهِ مَا بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ إِلَّا أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ المَظَالِمِ عَاجِزًا؛ فَلَا يُسْقِطُ حُقُوقَ العِبَادِ أَبَدًا.
ذَلِكَ أَنَّ حُقُوقَ اللهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المَسَامَحَةِ وَالغُفْرَانِ، بَيْنَمَا حُقُوقُ الخَلْقِ قَائِمَةٌ عَلَى المُشَاحَنَةِ وَالتَّقَاصِّ، وَلَا تَبْرَأُ مِنْهَا ذِمَّةٌ إِلَّا بِالرَّدِّ أَوِ العَفْوِ.
وَتَقُومُ التَّوْبَةُ الصَّحِيحَةُ كَمَا اسْتَقَرَّ فِي وِجْدَانِ الأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا: نَدَمٍ مُرٍّ يَعْتَصِرُ القَلْبَ عَلَى مَا فَاتَ، وَإِقْلَاعٍ فَوْرِيٍّ عَنِ الذَّنْبِ وَلَا سِيَّمَا خَطَايَا الخَلَوَاتِ الَّتِي تَحْجُبُ الدُّعَاءَ؛ فَلِزَامًا عَلَى المَلْهُوفِ لِقَبُولِ حَجِّهِ أَنْ يُجَدِّدَ أَوْبَتَهُ، تَعْظِيمًا لِجَلَالِ اللهِ وَخَشْيَةً مِنْهُ ثُمَّ عَزْمٍ أَكِيدٍ عَلَى عَدَمِ العَوْدَةِ إِلَى مَوَاطِنِ الزَّلَلِ.

غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَا تَعْرِفُ التَّمَامَ إِلَّا بِإِبْرَاءِ الذِّمَّةِ مِنْ تَبِعَاتِ الخَلْقِ؛ فَلَا تَصِحُّ مِنْ مَظْلَمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالآخَرِينَ إِلَّا بِإِعَادَةِ الحُقُوقِ مِنْ أَمْوَالٍ وَعَقَارَاتٍ إِلَى أَهْلِهَا كَامِلَةً، أَوْ بِاسْتِمَاحَةِ العَفْوِ النَّقِيِّ فِي المَظَالِمِ المَعْنَوِيَّةِ كَالغِيبَةِ وَجَرْحِ الأَعْرَاضِ.
وَمِنْ هُنَا، جَاءَ قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ قَاطِعًا: إِنَّ الحَجَّ المَبْرُورَ يَجْرِفُ مَا بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ، لَكِنَّهُ يَقِفُ دُونَ مَظَالِمِ العِبَادِ؛ إِذْ يَبْقَى أَصْحَابُهَا مُطَالِبِينَ بِهَا، لِيَكُونَ الفَصْلُ فِيهَا يَوْمَ القِيَامَةِ بِمِيزَانِ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ.
وَمَعَ عِظَمِ تَبِعَاتِ الخَلْقِ، فَإِنَّ أَبْوَابَ الرَّجَاءِ لَا تُغْلَقُ؛ فَإِذَا صَدَقَ العَبْدُ فِي تَوْبَتِهِ وَعَجَزَ عَنْ رَدِّ المَظْلَمَةِ لِعِلَّةٍ قَاهِرَةٍ—كَفَقْدِ المَظْلُومِ أَوْ مَوْتِهِ—أَحَاطَتْهُ رَحْمَةُ اللهِ الوَاسِعَةُ، وَتَكَفَّلَ الخَالِقُ بِإِرْضَاءِ خَصْمِهِ يَوْمَ الدِّينِ.
وَإِنْ سَعَى التَّائِبُ فَرَأَى مِنْ غَرِيمِهِ صُدُودًا وَرَفْضًا لِلْعَفْوِ، فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَمَلَّ طَرْقَ بَابِهِ بِالِاعْتِذَارِ، وَأَنْ يَسْتَمْطِرَ لَهُ الرَّحَمَاتِ بِالدُّعَاءِ فِي خَفَاءِ الغَيْبِ، عَسَى أَنْ يَنْزِلَ الرِّضَا فِي المَحَلِّ المَفْقُودِ.
فَأَوْلَى بِقَاصِدِ الْحَرَمِ أَنْ يَفِدَ إِلَى رِحَابِ الطُّهْرِ بِلَا كَبِيرَةٍ تُوبِقُهُ، وَلَا حَقِّ عَبْدٍ يُعَلِّقُهُ؛ فَتِلْكَ هِيَ الرَّكِيزَةُ الْأُولَى، وَالْمِعْيَارُ الْأَسْمَى لِقَبُولِ النُّسُكِ، كَيْ يَقْطِفَ الْحَاجُّ ثَمَرَةَ رِحْلَتِهِ، فَيَؤُوبَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ: طَاهِرَ السَّرِيرَةِ، بَرِيئًا مِنَ الْجَرِيرَةِ، مَقْبُولًا عِنْدَ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ.
رَزَقَنَا اللَّهُ جَمِيعًا فَهْمًا صَائِبًا، وَحَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا.




