في تحول قانوني لافت، أسدل لبنان الستار على عقوبة الإعدام بعد سنوات طويلة ظل خلالها تنفيذها متوقفًا دون أن تختفي من القوانين، ليقرر البرلمان اللبناني إلغاء العقوبة رسميًا واستبدالها بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.
القرار، الذي أقره مجلس النواب اللبناني الثلاثاء 11 أغسطس، لا يمثل مجرد تعديل في إحدى مواد قانون العقوبات، وإنما ينقل لبنان من مرحلة التوقف العملي عن تنفيذ أحكام الإعدام إلى إلغاء العقوبة من الأساس، في خطوة تجعل البلاد الأولى في الشرق الأوسط التي تتخذ هذا المسار بشكل رسمي.
من وقف التنفيذ إلى إلغاء العقوبة
لم تكن عقوبة الإعدام تُنفذ في لبنان منذ عام 2004، إلا أن ذلك لم يكن يعني أنها أصبحت خارج المنظومة القانونية؛ إذ ظلت المحاكم قادرة على إصدار أحكام بالإعدام، بينما بقي تنفيذ تلك الأحكام متوقفًا.
وهنا تأتي أهمية القرار الجديد، فلبنان لم يكتفِ باستمرار سياسة عدم التنفيذ، وإنما اتجه إلى إزالة العقوبة نفسها من التشريع، مع تحويل أحكام الإعدام القائمة إلى عقوبات بالسجن المؤبد.
وبذلك انتقلت الدولة اللبنانية من حالة يمكن أن تتغير بقرار سياسي في أي وقت، إلى وضع قانوني أكثر ثباتًا يجعل إعادة تنفيذ العقوبة أمرًا مختلفًا جذريًا من الناحية التشريعية.
لماذا جاء القرار الآن؟
رغم أن التصويت جاء في أغسطس 2026، فإن فكرة إلغاء الإعدام لم تبدأ هذا الشهر، بل سبقتها تحركات داخل البرلمان اللبناني امتدت لأشهر.
وفي يوليو الماضي، وافقت ثلاث لجان برلمانية بصورة مشتركة على مشروع قانون إلغاء العقوبة، في خطوة مهدت لطرحه أمام مجلس النواب، بينما كانت هناك جهود حقوقية وقانونية مستمرة منذ سنوات للدفع باتجاه إنهاء عقوبة الإعدام بصورة نهائية.
لذلك، يبدو توقيت القرار أقرب إلى نهاية لمسار تشريعي طويل منه إلى استجابة لحدث منفرد.
كما أن مرور أكثر من عقدين دون تنفيذ أي حكم إعدام خلق واقعًا عمليًا مختلفًا داخل لبنان؛ فالعقوبة كانت موجودة على الورق، لكنها لم تعد تُطبق فعليًا منذ سنوات، وهو ما جعل الانتقال من التجميد إلى الإلغاء خطوة أكثر قابلية للطرح السياسي والقانوني.
ويأتي ذلك أيضًا في وقت يتسع فيه عالميًا الاتجاه نحو الحد من استخدام عقوبة الإعدام أو إلغائها، وهو ما جعل الخطوة اللبنانية جزءًا من نقاش أوسع حول طبيعة العقوبات الجنائية وحدود سلطة الدولة في إنزال العقوبة القصوى.
لبنان بين دول ألغت الإعدام وأخرى ما زالت تطبقه
لا يمثل لبنان بداية الاتجاه العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام، فهناك دول عديدة ألغتها بصورة كاملة، من بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، بينما اختارت دول أخرى الإبقاء عليها في القانون مع التوقف عن تنفيذها عمليًا.
لكن أهمية الخطوة اللبنانية تأتي من موقعها الجغرافي والسياسي؛ فالدولة أصبحت، وفق الترحيب الأممي والحقوقي بالقرار، أول دولة في الشرق الأوسط تلغي عقوبة الإعدام بشكل رسمي.
وفي المقابل، لا تزال العقوبة موجودة في عدد من دول المنطقة، وبعضها يستمر في تنفيذ أحكام الإعدام بالفعل، ما يجعل القرار اللبناني استثناءً واضحًا داخل بيئة إقليمية ما زالت تتعامل مع العقوبة باعتبارها جزءًا من منظومتها الجنائية.
وهنا تظهر المفارقة؛ ففي الوقت الذي تختار فيه دول بالمنطقة الإبقاء على العقوبة أو توسيع استخدامها في بعض الجرائم، اختار لبنان الاتجاه المعاكس تمامًا، مستندًا إلى عقوبة بديلة هي السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.
ماذا يمكن أن يعني القرار للدول المجاورة؟
قد لا يؤدي القرار اللبناني إلى تغيير فوري في قوانين الدول المحيطة، لأن لكل دولة نظامها القانوني وظروفها السياسية والاجتماعية، لكن تأثيره الأكبر قد يكون في إعادة فتح النقاش الإقليمي حول مستقبل عقوبة الإعدام.
فوجود دولة من المنطقة تتخلى عن العقوبة بشكل كامل يمنح الدول التي تناقش مستقبلها نموذجًا إقليميًا جديدًا يمكن دراسته، خصوصًا أن لبنان لم ينتقل من نظام ينفذ الإعدامات بشكل مستمر إلى الإلغاء مباشرة، وإنما مر أولًا بمرحلة طويلة من وقف التنفيذ.
ومن ناحية أخرى، يمكن أن يعزز القرار حضور ملف حقوق الإنسان في النقاشات المتعلقة بإصلاح القوانين الجنائية في المنطقة، خاصة مع الترحيب الذي صدر عن جهات دولية وحقوقية بالخطوة اللبنانية.
لكن من المبكر القول إن القرار سيؤدي تلقائيًا إلى موجة إلغاء مماثلة في الدول المجاورة؛ فالاختلافات القانونية والسياسية والدينية بين دول المنطقة تجعل مسار كل دولة منفصلًا عن الأخرى.
خطوة حقوقية.. واختبار قانوني جديد
الترحيب بالقرار لم يقتصر على الداخل اللبناني، إذ اعتبرت منظمات حقوقية الخطوة تحولًا مهمًا لأنها تنقل لبنان من مجرد وقف تنفيذ الإعدامات إلى توفير حماية قانونية دائمة للحق في الحياة.
وفي المقابل، يفتح القرار ملفات أخرى أمام الدولة اللبنانية، أبرزها كيفية التعامل مع أحكام الإعدام الموجودة بالفعل، وأوضاع السجون، خاصة في ظل وجود نقاش متزامن حول معالجة أزمة الاكتظاظ داخل السجون اللبنانية.
وبذلك، فإن إلغاء الإعدام لا ينهي النقاش حول العدالة والعقوبة، وإنما يغيّر نقطة بدايته؛ فبعد أن كان السؤال هو ما إذا كان من الممكن تنفيذ الحكم، أصبح السؤال الآن: كيف تحقق الدولة أقصى درجات العقوبة دون اللجوء إلى إنهاء حياة المحكوم عليه؟
لبنان أمام اختبار جديد
وبينما ينظر مؤيدو القرار إليه باعتباره انتصارًا للحق في الحياة وخطوة باتجاه تحديث المنظومة القانونية، فإن أهميته الحقيقية ستظهر خلال المرحلة المقبلة، مع بدء التعامل الفعلي مع آثاره القانونية والسياسية.
فلبنان لم يكتفِ هذه المرة بتجميد عقوبة الإعدام، وإنما اختار إخراجها من القانون، ليصبح القرار علامة فارقة في تاريخ التشريع اللبناني، ورسالة إقليمية تضع الدولة أمام تجربة جديدة في منطقة لا تزال غالبية أنظمتها القانونية تحتفظ بالعقوبة.
ومع إغلاق لبنان هذا الفصل، يظل السؤال مفتوحًا خارج حدوده: هل يظل القرار تجربة لبنانية منفردة، أم يتحول إلى بداية لنقاش أوسع حول مستقبل عقوبة الإعدام في الشرق الأوسط؟

صوت الشعب






