تأكل في «الحرة» بثدييها ولا تشبع

تأكل في «الحرة» بثدييها ولا تشبع

​أطلّ علينا الأستاذ إبراهيم عيسى، الإعلامي بقناة «الحرة»، بطرحٍ يخاصم المنطق، مدّعياً أن جمال عبد الناصر قوض دولة ليبرالية كانت تُشيد أركان الديمقراطية لثلاثة عقود منذ دستور 1923، حتى جاء فـ«نسفها بالمنشار»! ولم يقف شططه عند هذا الحد، بل زعم أن مدنية الدولة كانت حاضرة بقوة قبل يوليو فاستبدلتها الثورة بالدين؛ ولا ندري أكان يرمي لمدحٍ أم ذم، لكن الثابت يقيناً أنه يجافي حقائق التاريخ الموثقة.
​إن السقوط المتكرر لمن يتناولون تلك الحقبة ينبع من خلطٍ مضلل بين «التعددية الحزبية الشكلية» و«الديمقراطية الحقيقية المكتملة»؛ فالتعددية الصورية الخاضعة لرغبات السرايا وهيمنة الاحتلال لا تمثل بأي حال إرادة شعبية حرة.
​فعن أي ليبرالية تتحدث يا إبراهيم؟
​سلسلة الاغتيالات والتصفيات السياسية: هل كانت تلك الحقبة نموذجاً للسلمية ودولة القانون، بينما الشوارع تشهد تصفيات متبادلة؟ لقد اغتال الجهاز السري للإخوان القاضي أحمد الخازندار، ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، ورئيس الوزراء أحمد ماهر باشا في قلب البرلمان، وحكمدار القاهرة سليم زكي، وصولاً إلى تصفية حسن البنا في وضح النهار ؛ فأي ليبرالية تحكمها الرصاصات؟

​المذابح الطلابية وقمع الحريات: هل من دعائم الليبرالية فتح كوبري عباس عام 1946 لمحاصرة تظاهرات الطلاب العزل وإغراقهم، ما أسفر عن سقوط أكثر من 200 طالب بين شهيد ومصاب ومفقود؟

​إقصاء نصف الأمة: كيف يُحتفى بدستور 1923 الذي جرد المرأة تماماً من حق التصويت والترشح، في حين انتزعت كامل حقوقها السياسية وتولت الحقائب الوزارية في كنف الجمهورية؟

​احتكار الإقطاع للمجالس النيابية: اشترط دستور 1923 لعضوية الشيوخ دفع 150 جنيهاً كضريبة سنوية (وهي ثروة توازي كيلوغراماً من الذهب الخالص آنذاك)، ليقصر التشريع حصراً على كبار الملاك والإقطاعيين.
​عسكرة الحياة الحزبية وميليشيات الشوارع: أين الليبرالية السلمية وأغلب الأحزاب تتسلح بميليشياتها الميدانية؛ من «الجهاز السري» للإخوان، إلى «القمصان الزرقاء» للوفد، و«القمصان الخضراء» لمصر الفتاة؟

​توظيف الدين لخدمة العرش: تناسى عيسى محاكمة الشيخ علي عبد الرازق عام 1925 وعزله ومصادرة كتابه «الإسلام وأصول الحكم» لمواجهته طموح الملك لتنصيب نفسه خليفة للمسلمين بمساندة شيوخ القصر.
​إرساء الدولة المدنية وتوحيد القضاء: ادّعى عيسى أن الثورة استبدلت مدنية الدولة بالدين، متجاهلاً أن عبد الناصر هو من أصدر القانون رقم 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس المليّة وتوحيد القضاء في ساحة وطنية واحدة. وحينها هاجمه المتأسلمون متهمين إياه بمحاربة الشريعة وهدم الدين، فكيف تصبح هذه الخطوة المدنية الجريئة "استخداماً للدين" في عُرف عيسى إلا من باب التناقض الفج؟
​كفاءة الجهاز التنفيذي: يصف عيسى الوزراء بـ«السكرتارية»، متجاهلاً قامات وطنية وتكنوقراطية بنت قواعد الصناعة والتموين مثل الدكتور عزيز صدقي والدكتور كمال رمزي إستينو، ومتناسياً أن أعظم وزير ثقافة عرفته مصر وصاحب نهضتها التنويرية الكبرى كان ضابطاً بالجيش وهو الدكتور ثروت عكاشة يا أستاذ إبراهيم عيسى!
​إن الحقبة التي يتباكى عليها عيسى (1923–1952) شهدت تعاقب نحو 40 وزارة بمعدل يجاوز وزارة كل عام، فضلاً عن انقلاب 1930 الدستوري، وبقاء الإرادة الشعبية مرتهنة بحل الملوك للبرلمانات وتطويق الدبابات البريطانية لقصر عابدين في 4 فبراير؛ فأين هي الأعمدة المزعومة لتُنسف؟
​يا استاذ ابراهيم كيف تدعي التنوير ونشر الوعي وأنت تقع في أسر هذا التزييف؟ إن ذلك يعيدنا لجوهر تعريف المثقف الحقيقي كما أورده عبد الناصر في شرح بيان 30 مارس ١٩٦٨: أن يكون ملتزماً تجاه مجتمعه بالمعلومة الدقيقة، مجتهداً في تفكيك ظواهره، محاذراً من الاستسهال الذي ينزلق بصاحبه إلى مستنقع التدليس

السلطة الرابعة

صوت الشعب