بين الخرسانة والإنتاج: إلى أين تتجه مصر؟

بين الخرسانة والإنتاج: إلى أين تتجه مصر؟

إلى من يهمه الأمر في حكومة هذا الوطن، إلى كل مسؤول يجلس في برج عاجي بعيداً عن صخب الشارع ونبض الناس:
إلى أين تتجه مصر؟ ولصالح من يُهدر المستقبل؟
أين تذهب طاقات الشباب؟
تسألون عن سبب تراجع الإنتاجية، والجواب يصرخ في كل شارع: شبكة الطرق الحديثة التي تتفاخرون بها لم تعد تحمل شاحنات البضائع والمنتجات الوطنية، بل باتت مضماراً لجيوش من خريجي الجامعات والشباب الطموحين الذين أُغلق أمامهم كل باب للعمل الشريف المبتكر، فلم يجدوا مخرجاً سوى العمل كـ "سائقي تكاتك"، أو مندوبي توصيل طلبات، أو التحول إلى سائقين على سيارات خاصة عبر التطبيقات الذكية لمن يسعفه الحظ بقليل من المدخرات. هل هذا هو أقصى طموح الدولة لشبابها؟ تحويل طاقات مصر البشرية الهائلة من قاطرة للتنمية إلى خدمات نقل واستهلاك لا تصنع قيمة مضافة ولا تبني اقتصاداً مستداماً؟
تجريف الصناعة والزراعة لصالح العقار
إن عصب الاقتصاد المصري الحقيقي كان وسيظل في المصانع والحقول. لكننا نشهد اليوم تحولاً خطيراً من دولة صناعية وزراعية لها وزنها إلى "دولة مقاولات" تُجرف أراضيها وتُباع أصولها. يُباع القطاع العام وتُصفى القلاع الصناعية، لتتحول المساحات الخضراء والأراضي المتميزة إلى مجمعات سكنية وأبراج بالمليارات.

لمن تُبنى هذه الوحدات الفارهة؟ بالتأكيد ليس للشاب المصري الذي يكافح ليجد قوت يومه، بل لشريحة ضيقة للغاية (أهل ايجيبت) وللمستثمرين الأجانب. وما يبعث على الأسى هو نزع ملكية أراضٍ كان يمتلكها مواطنون أبا عن جد، لتُقام عليها مشاريع فندقية واستثمارية، كما يحدث في جزيرة الوراق وغيرها من المناطق التي تقاوم التهميش والتشريد لتبقى شاهده على أزمة انتزاع الهوية والملكية.
اقتصاد الريع ومخاطر المستقبل
إن الدولة التي تتخلى عن مصانعها، وتوقف التعيينات وتضعف قطاعها الإنتاجي، وتعتمد فقط على البيع والمشاريع العقارية السريعة، تضع اقتصادها على أرض هشة للغاية:
* تأكل الطبقة المتوسطة: الغياب التام لفرص العمل الحقيقية يدفع الطبقة المتوسطة إلى الاندثار والتآكل.
* غياب الأمن الغذائي والصناعي: الاعتماد على الاستيراد والبيع يرهن القرار الوطني بالتقلبات الخارجية.
* فقدان الأمل: عندما يشعر الشاب أن حلمه في بلده يتلخص في مقود سيارة أو دراجة نارية، فإننا نغرس بذور اليأس في أنقى جيل.
إن الوطن لا يُبنى بالخرسانة والمنتجعات الاستثمارية فقط، بل يُبنى بالمصانع التي تنتج، والمزارع التي تطعم، والفرص التي تحفظ كرامة المواطن. إعادة النظر في هذه السياسات الاقتصادية والعودة إلى دعم الإنتاج الحقيقي والاعتزاز بكرامة المواطن وأرضه لم تعد مجرد مطالبات، بل ضرورة قصوى للحفاظ على مستقبل هذا البلد.
بقلم / رقية الإبراشي

السلطة الرابعة

صوت الشعب