نظمت "مبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة" بالتعاون مع "الجمعية المصرية للتنوير" (أسسها المفكر الشهيد فرج فودة)، حفل تكريم ومناقشة للشاعر والمثقف المصري الكبير ماجد يوسف، وذلك بمقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي والجمعية المصرية للتنوير، وبحضور أعداد من المهتمين والمثقفين.
تضمن الحفل حواراً شاملاً أداره الدكتور أشرف راضي، حول مسيرة الشاعر الكبيرة، وتجربته الشعرية ومستجدات معاركه دفاعاً عن شعر العامية والتراث الشعري المصري، فضلاً عن دور القنوات المتخصصة التي أطلقها اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري، وفي مقدمتها تجربة "قناة التنوير" ورؤيته لبعض حلقاتها المؤثرة.
مبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة: تعزيز الاستدامة واستعادة الهيبة الدولية
وفي كلمته، أوضح محمود مرتضى، الخبير التنموي والعضو بمبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة، أن المبادرة تجمع بين عدد من المؤسسات والجهات بهدف تطوير مفهوم القوى الناعمة للتعامل مع المكونات الثقافية للمجتمع، بما يؤثر في المحيطين الإقليمي والدولي.
وأكد مرتضى أن المهمة الرئيسية للمبادرة تتمثل في تعزيز واستدامة هذه الفعاليات، وهو ما تم التركيز عليه من خلال تنظيم الندوات التثقيفية بحضور نحو 150 شخصاً. وأشار إلى أن سؤال "هل يمكن للقوى الثقافية أن تستعيد الهيبة الدولية والإقليمية؟" يعد أحد الأهداف المحورية للمبادرة، مؤكداً أن استضافة الشاعر ماجد يوسف واستحضار تجربته يُعد لقاءً مشرفاً وإضافة نوعية للمبادرة بوجه عام وللقدرات المصرية الناعمة بوجه خاص.
إدارة الحوار: ترسيخ الفكر الصحي والاحتفاء بالتجارب المتميزة
من جانبه، أشار الدكتور أشرف راضي، مدير حوار الندوة، إلى أن هدف المبادرة يكمن في ابتعاد مصر والعالم بأسلوب أضمن عن الأفكار السطحية، والترويج للأفكار الصحية والبحث عن مضامين حقيقية بدلاً من الاكتفاء بالـ "تريندات".
وأوضح راضي أن القيمة الأولى لاستضافة شخصية بحجم ماجد يوسف تعود لتجربته الشعرية المتميزة، موجهاً له سؤالاً رئيسياً: "أين أنت الآن؟ ولماذا وصلنا إلى هذه اللحظة؟" إلى جانب تساؤله عن تجربة قناة "التنوير" وأسباب عدم استمرارها.
ماجد يوسف: شعر العامية قادر على التعبير ولا ينبغي عزله عن ظواهر المجتمع
ورداً على الأسئلة المطروحة، أكد الشاعر ماجد يوسف أن عامية الشعر ليست لغة من الدرجة الثانية، بل إنها قادرة على التعبير بذات قوة الفصحى إذا ما تمكّن منها الشاعر، لافتاً إلى أن عامة الناس في الشارع لا يتحدثون بذات الطريقة التي يصوغ بها الشعراء قصائدهم.
وأوضح يوسف أنه يكتب في جميع دواوينه أشعاراً مصرية خالص، ولا يخضع لتقسيمات محددة؛ فلا يوجه العامية للمثقفين فحسب ولا للعامة فقط، بل يرى أن القصيدة الجيدة هي التي تفرض نفسها سواء كانت بالعامية أو بالفصحى.
وأعرب يوسف عن أسفه لعدم استناد النقد في مجال شعر العامية إلى الدراسة والمحيادية والتجرد، مشيراً إلى توقف النقاد عن ممارسة النقد السليم في هذا المجال، مقارنة بشعراء جيل السبعينيات الذين رافقت تجاربهم دراسات نقدية واضحة. وأضاف أنه حاول كتابة النقد لقصائد العامية، إلا أنه واجه انتقادات تساءلت عن كيفية تصديه للنقد وهو شاعر عامية في الأساس.
وشدد يوسف على أن عزل الشعر عن باقي الظواهر والمشكلات التي يعاني منها المجتمع يعد خطأ كبيراً؛ معللاً عزوف الناس عن الذهاب للشعر والتثقيف بسعيهم وراء "لقمة العيش" التي أصبحت أولوية تفوق أي شيء آخر، فضلاً عن تراجع مستوى الدراما والسينما مقارنة بفترة الستينيات.
كواليس إنشاء وإغلاق قناة "التنوير" (1998 - 2008)
وعن تفاصيل تجربة قناة "التنوير"، كشف ماجد يوسف أن بداية القناة جاءت محض صدفة؛ حيث تصادف حينها بث قناة قبطية مسيحية من قبرص بتقنيات وإمكانيات مرتفعة، وهو ما دفع بعض أعضاء مجلس الشعب لمعاتبة وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف، متسائلين عن سبب بث قناة قبطية من الخارج في مقابل عدم وجود قناة إسلامية بمصر.
وأوضح يوسف أن وزير الإعلام أعلن حينها عن إسناد القناة الجديدة له لتكون بمثابة القناة المقابلة، وحين كلفه الوزير بها لمنافستها، اقترح عليه يوسف أن السعودية تصدر بالفعل أكثر من قناة إسلامية والأولى أن يتولى الأزهر الشريف هذا الملف، متسائلاً عما إذا كانت القناة ستقتصر على المسلمين أم ستضم أقباطاً أيضاً منعاً لتقسيم مصر أو زيادة شواهد الاضطهاد.
وأضاف يوسف أنه حرص على اختيار شعار بروموهات القناة ليضم صوراً للرمز الفرعوني "إخناتون" وقرص الشمس مع كلمة "التنوير"، وصورة للسيدة مريم العذراء، وأخرى للمسجد، إلى جانب استضافة قس وشيخ معاً للحديث بالقناة؛ وذلك لترسيخ فكرة التنوير بعدم التفرقة بين المسلمين والمسيحيين. واستشهد بمقال سابق له وصف فيه مصر بالمرأة التي ترضع طفلين من ثديين مختلفين: أحدهما قبطي والآخر مسلم.
وعلى الصعيد الإداري، أكد يوسف أنه لم يقبل بالوساطة في القناة، وحرص على تقديم درس للزملاء في العمل الخلاق والتعامل الإنساني، برغم قلة الإمكانيات التي تمثلت في وجود كاميرا واحدة كثيرة الأعطال. وأوضح أنه كان يعامل جميع العاملين بود واحترام، لدرجة أن رؤساء القنوات الأخر كانوا يلومونه على أسلوبه الإداري، فضلاً عن جلوسه لساعات مع المخرجين الشباب لحل مشاكلهم الفنية.
ولفت يوسف إلى أن جميع رؤساء القطاعات الذين عاصرهم كانوا يسعون لإغلاق القناة باستثناء "حسن حامد"، مستغرباً من محاربتهم للتنوير، في حين كان المثقفون يدافعون عنها في مقالاتهم. وأشار إلى أن صفوت الشريف هو من كان يرفض إغلاقها بسبب الإشادات التي كان يتلقاها من الدول العربية، رغم التقارير والشكاوى والمحاولات المستمرة لإسقاط مذيعي القناة والذين قام يوسف بإعادتهم جميعاً.
وتطرق يوسف إلى أن القناة استمرت منذ عام 1998 حتى أُغلقت رسمياً عام 2008، وتوزع جميع العاملين فيها على القنوات الأخرى مشهوداً لهم بالمهنية. كما أشار إلى رفضه لعدة عروض كانت تطلب منه إذاعة مفاسد، متسائلاً: "أين نحن من روح وإنجازات أكتوبر؟" بسبب انتشار الفساد ببعض المؤسسات وتراجع التنوير.
شهادات العاملين بقناة التنوير: مدرسة إنسانية ومهنية
دينا ونيس (مذيعة بالتليفزيون المصري): أكدت أنها دخلت القناة بالصدفة، وأن ماجد يوسف لم يكن مجرد رئيس قناة بل كان أباً ومعلماً يشجعهم على القراءة ويحثهم على طرح الأسئلة الجريئة التي يخاف الناس طرحها. وأوضحت أنهم تعلموا منه أن الهدف لم يكن منافسة القناة القبطية بل التعبير عن المفهوم الإنساني، مستحملة إياها في أخطائها الأولى كمذيعة. ووصفت يوسف بأنه "قمر يفتح شباكاً في حائط سد"، مؤكدة أن التنوير مثل النور يخرج من عقب الباب مهما بُنيت حوائط السد، وأن القناة وإن أُغلقت فإن التنوير غُرِس في عقولهم.
نزار مغاوري (مخرج بقناة التنوير): ذكر أن بدايته كانت مع الأستاذ ماجد يوسف في القناة، متذكراً موقفه في حلقة "حق الدم" حين خشي المخرج من منعها، فقال له يوسف: "متخفش وزيع الحلقة". كما أشار إلى تعمد يوسف عدم التواجد في أول "أوردر" عمل له كي لا يسبب له أي توتر.
ريهام عبد الله (معدة برامج بقناة التنوير): أوضحت أنها تعلمت منه كيف يكون رئيس القناة متاحاً لجميع العاملين، حيث أسند إليها 4 برامج دون اعتراض وتعلمت منه الشعر. وأشارت إلى أن التوثيق الذي قاموا به لمثقفي المحافظات وآثارها يُعد اليوم مادة وأرشيفاً يعتمد عليه التليفزيون. وأكدت تمسكه بالقيم ورفضه للواسطة، وتكريمه للأسبقية في العمل. واختتمت كلمتها بتقبيل يده تقديراً لمسيرته.
رؤية نقدية وأكاديمية: التنوير هو مربط الفرس للشخصية المصرية
وفي كلمته، أكد محمود بطوش (شاعر وأكاديمي) أن مربط الفرس والرقم واحد لمصر يظل هو التنوير والثقافة والأخلاق، وليس فقط التطوير المعماري والإنشائي والاقتصادي؛ نظرًا لما شهدته الشخصية المصرية من تغيير وتبديل ممنهج.
وأعرب بطوش عن إعجابه الكبير بالشاعر ماجد يوسف، مشيراً إلى أن شعر العامية ظهر مع "السجناء الأحرار"، وموضحاً أن جيل السبعينيات كان ينظر للغرب كطوق نجاة وهو ما كان خطأ في تلك الفترة. وأضاف أنه تعرف على يوسف عام 1991 في إحدى الأمسيات الشعرية، ويتفق معه تماماً في قضية غياب النقد. وأشاد بتمرس يوسف في مختلف بحور الشعر وتميزه بـ "النصر العابر" الذي يعيش طويلاً، مع اهتمامه بالحس الإنساني الذي يجعل غير المصريين يتفاعلون مع شعره بنفس قدر تفاعل المصريين.
ختام الندوة وتكريم الشاعر
واختُتمت الندوة باستماع الحضور لمختارات من أشعار الفنان الكبير ماجد يوسف بناءً على اختيار الجمهور، متبوعة بتقديم درع تكريمي له من "مبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة" تقديراً لمسيرته الشعرية والإعلامية الحافلة بعطاء التنوير.

صوت الشعب






