ناقشت الندوة حدود استقلال القرار الوطني في ظل التبعية، ومفهوم التبعية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، إلى جانب الدور الذي يلعبه صندوق النقد الدولي باعتباره "مايسترو التبعية"، وذلك بحضور ونقاش نخبة من القيادات السياسية والمفكرين.
د. زهدي الشامي: العولمة والقطب الواحد فرضا قيوداً.. ونحتاج لقرار وطني يضمن التنمية وحق المصير
افتتح الندوة وأدارها الدكتور زهدي الشامي، القيادي بحزب التحالف الشعبي، مؤكداً على الأهمية الكبيرة لموضوع التبعية في كافة مناحي الحياة. وأشار الشامي إلى أن فكرة "العولمة" سادت منذ نهاية الثمانينيات وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، مصحوبة بسيادة وهمية لفكرة "القطب الواحد" وهو ما ثبت عدم صحته لاحقاً.
وأضاف الشامي أن العالم شهد متغيرات فرضت ضرورة التحكم في القرار الوطني وسيادة المقررات دون الانغلاق على الذات، لافتاً إلى أن صندوق النقد الدولي فرض قيوداً جعلت الجميع غير راضين عن الإملاءات الغربية، ومؤكداً على حتمية امتلاك قرار وطني مستقل يهدف إلى تنمية الاقتصاد وتحقيق حق تقرير المصير.
أ. شادي الشربيني: مصر تعرضت لـ 4 أشكال من التبعية.. وهناك أزمة فقدان ثقة خاصة لدى الشباب
من جانبه، أوضح الأستاذ شادي الشربيني، القيادي بحزب الكرامة، أن التبعية في جوهرها هي "استغلال طرف قوي لطف آخر ضعيف دون أن يحصل الطرف الأخير على مصالحه بالشكل الحقيقي".
وصنّف الشربيني أشكال التبعية إلى أربعة أنماط:
التبعية الخشنة: التي تُفرض بقوة السلاح لاتباع سياسات محددة.
التبعية الناعمة: وتتمثل في انبهار طرف بالنموذج الاقتصادي والثقافي لدولة أخرى دون مراعاة الاختلافات الثقافية والجيو-سياسية.
التبعية عبر القروض: من خلال قبول شروط ومُيسّرات تقود إلى التبعية للجهة المُقترَض منها.
أشكال التبعية التراكمية.
وأكد الشربيني أن مصر تعرضت لكافة هذه الأشكال الأربعة من التبعية عبر تاريخها الحديث. كما أشار إلى وجود أزمة حادة في فقدان الثقة من قبل المواطنين، ولا سيما شريحة الشباب التي ترى أن الحكومة الحالية لا تعبر عنها ولا عن الشرعية السياسية.
واستعرض الشربيني المحطات التاريخية؛ موضحاً أنه عندما رأت مصر عدم توفر السلاح بالشكل الكافي من أمريكا ومماطلتها للضغط لصالح إسرائيل، اتجهت مصر حينها للاتحاد السوفيتي لتمويل السلاح. كما تطرق للتجربة الناصرية التي قررت تأميم قناة السويس عقب رفض تمويل بناء السد العالي. وفي المقابل، تطرق لعهد الرئيس السادات الذي طبق التصنيفات الأربعة للتبعية حين صرّح بأن "90% من أوراق اللعبة السياسية في يد أمريكا"، مؤكداً أن الهدف الأساسي للتبعية هو التبعية الاقتصادية التي توظفها الولايات المتحدة الأمريكية.
د. محمد حسن خليل: صندوق النقد مؤسسة أمريكية تكرّس التبعية.. وهذه محاور الخلاص الاقتصادي
وفي كلمته المعززة بالعروض التوضيحية، هاجم الدكتور محمد حسن خليل، القيادي بالحزب الاشتراكي المصري، السياسات التي يروج لها صندوق النقد الدولي تحت عناوين "تحرير انتقال السلع والانفتاح الاقتصادي"، واصفاً إياها بأنها مجرد شعارات للتجميل، بينما المفهوم الحقيقي لها هو التبعية وغياب سيادة القرار.
وأكد د. خليل أن الموقف التنموي الصحيح يتمثل في زيادة الإنتاج والرقابة على الصرف وتحديد الأولويات في التبادل النقدي والعملة الأجنبية الناتجة عن احتياجات الاستيراد. وتحسر على التحول الذي جعل بعض المدارس والجامعات لا تقبل التعامل إلا بالدولار، مما أوجد اقتصاداً لصالح دولة الدولار وأدى لنقص المعروض الدولاري بالسوق واضطرار العملاء للسوق السوداء.
وأضاف أن "أفضل فرصة وأعلى ربح للأجنبي هو الاستحواذ على استثمارات قائمة بالفعل"، مشيراً إلى أن هذا التوجه بدأ منذ عام 1991 وكان بمثابة ميلاد الخصخصة، بينما نعيش الآن فترة بيع بل وسرقة لما تم بناؤه في عهد طلعت حرب والحركة الناصرية، ما يعد تبديداً للاستثمارات وتوريثاً للديون للأجيال القادمة.
وانتقد خليل سياسات التقشف وزيادة الضرائب ووقف الدعم المفروضة من الصندوق، قائلاً: "كان المفروض بعد الثورة أن نعيد بناء البلد، لكننا نجد أنفسنا نبيع البلد ونمنح فرصة لخدمة دول أخرى". وعن طبيعة الصندوق، جزم خليل بأنه مؤسسة أمريكية وليست دولية، وتمتلك فيها أمريكا حق الفيتو، مشدداً على أن الحل يكمن في يد "القوى الاجتماعية"، لأن المؤامرات الخارجية موجودة ولكن تأثيرها يظل بنسبة ضعيفة مقارنة بالإرادة الداخلية.
واستعرض د. محمد حسن خليل تفصيلياً عبر العرض التقديمي النقاط التحليلية والحلول التالية:
مفهوم تحرير التجارة وحرية انتقال السلع:
يروج الصندوق لـ: تحرير انتقال السلع والانفتاح الاقتصادي، التجارة كقاطرة للتنمية، النمو من خلال الاندماج مع السوق العالمي، والمنافسة الحرة التي تقود لتخصيص الموارد.
البديل الوطني والحقيقة: التنازل عن السيادة على السوق القومية، فرض الرقابة على التجارة الخارجية، التنمية القائمة على إنتاج لإشباع احتياجات السكان، والسيطرة على السوق القومي لتطوير الإنتاج الزراعي والصناعي والحماية الجمركية (كما في مصر وأوروبا).
الخصخصة وتصفية ممتلكات الدولة:
اتفاقية التثبيت والتكيف الهيكلي (1991) كانت ميلاد الخصخصة كمكافأة لمصر عن مشاركتها في حرب تحرير الكويت بتخفيض 50% من الديون.
دفع دول الخليج نصف الديون ($29B) لمصر لتسلم لصندوق النقد، مع تخفيض الدين على 3 دفعات مقابل شروط وتصريحات تشريعية (قانون قطاع الأعمال العام 203 لسنة 1991، قانون 185 لسنة 2020 لخصخصة الشركات القابضة، واتفاق الصندوق في ديسمبر 2022 بناءً على وثيقة ملكية الدولة).
بديل الخصخصة: تنمية الإنتاج وحمايته؛ حيث إن مضمون الخصخصة هو تبديد التراكم التنموي وبيعه للأجانب ونهب الثروة القومية، وهو حل وقتي يوفر عملة صعبة لسداد الديون ويتحول إلى عبء استراتيجي (تحويل سنوي للأرباح للخارج).
السياسات المالية (التقشف ثم التقشف):
سياسات الصندوق: تخفيض الدعم، تقليل نفقات الأجور، زيادة حصيلة الضرائب غير المباشرة والرسوم (كالسيارات)، زيادة ضرائب الأفراد والاستثمار (22.5% غالباً)، ورفع ضريبة المبيعات والقيمة المضافه.
البديل المطلوب: التنمية وزيادة الضريبة على الأغنياء والضرائب التصاعدية (تصل لـ 90% في الغرب)، فرض ضريبة أرباح ورسومات على التركات والشركات والنشاط، وفرض ضريبة ثروة لمرة واحدة وعلى مظاهر البذخ.
الصندوق والسياسات النقدية (سعر الصرف):
تخفيض سعر الصرف والتخفيض الكامل أدى لارتفاع أعباء سداد الديون ورخص الأصول المصرية حين خصخصتها، مما يعد فرصة للأجنبي للكسب على حساب الأزمة.
الأزمة الحقيقية هي نقص الإنتاج وتنسيق الأسواق، ولم يحلها تخفيض سعر العملة.
محصلة سياسات الصندوق وحقيقتها:
حقيقة الصندوق: مؤسسة أمريكية وعولمية لا تتبع الأمم المتحدة، ومغزى زيادة الاندماج في السوق العالمي أدى لـ: انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي لأقل من 50%، واستيراد 5% من مستلزمات الإنتاج الصناعي.
برنامج عاجل للخلاص من تعميق التبعية:
الرقابة على التجارة الخارجية ورفض التحرير الكامل (استيراد السلع الضرورية فقط).
الرقابة على النقد الأجنبي بإشراف البنك المركزي بالكامل، والجنيه المصري هو وسيلة الدفع الوحيدة بالداخل.
السماح بالاستثمار الخارجي فقط وفق احتياجات التنمية وليس استجابة للاستهلاك الترفي للأغنياء.
فرض ضرائب تصاعدية، ضريبة ثروة لمرة واحدة، ضريبة تركات، استعادة فورية لشرائح ضرائب قبل 2005، تقشف حكومي، حظر استيراد سلع الترف، وضريبة على مظاهر الترف (أفراح، جولف، حمام سباحة خاص).
حد أدنى كافٍ للأجور والمعاشات، وتحديد نسبة بين الحد الأدنى والأقصى للأجور (1:15).
وقف إصدار رخص للإسكان الفاخر، واقتصار الدعم على الإسكان الشعبي والمتوسط، وحد أقصى للإيجار وحد أدنى لمدته.
دعم بناء الإسكان التعاوني للشباب (أرض مجانية، قروض ميسرة، شقق لسكن الأعضاء فقط وليست للبيع).
حد أدنى لمدة الإيجار الزراعي، وحد أقصى للقيمة حسب درجة الخصوبة (كل محافظة).
المخرج أحمد درويش: القرار السياسي غير الوطني أنتج اقتصاداً وفنوناً فاشلة
وفي البعد الثقافي والفني، استشهد المخرج أحمد درويش بتجربة ثروت عكاشة في الثقافة كمعيار قياسي، والتي ضمّت قمم وفطاحلة الأدب والفكر ومنهم الأديب نجيب محفوظ.
وأوضح درويش أن القرارات السياسية غير الوطنية يترتب عليها اقتصاد فاشل وخطة ثقافية فاشلة، ناتجة عن عدم الانتقاء المناسب للمؤهلين لتقلد المناصب الاقتصادية أو الثقافية.
وأشار إلى أن الفن في مصر أصبح بيد من هم بعيدون كل البعد عن المهنة كبعض المنتجين، مما أدى لإنتاج فن سينمائي موجه للسعوديين، وظهور جيل جاء متأثراً بالأمركة والتقليد والانبهار بالغرب.
وضرب درويش مثالاً بفيلم "الممر" الذي تكلف 100 مليون جنيه ويتناول نهاية حرب الاستنزاف، مؤكداً أن لقطة كلمة الرئيس عبد الناصر "الآن" حملت رسالة سياسية أُنفق عليها الكثير، وكانت بمثابة إسقاط مباشر على سياسة اليوم والواقع الحالي.
نقاشات ومداخلات: كيف نستقل من التبعية الذاتية والموضوعية؟
وشهدت الندوة مداخلات من الحضور؛ حيث أشار الدكتور طه طنطاوي، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إلى أن مصر غارقة في التبعية تساءل مستنكراً: "كيف نستقل ونفك أسرنا من هذه التبعية؟".
فيما أكد الدكتور صلاح عدلي، رئيس الحزب الشيوعي المصري، أن مصر غارقة ومصممة على اتباع سياسات صندوق النقد الدولي رغم أن الظروف كانت مواتية بالتلاحم الشعبي والالتفاف العارم عقب الثورة، متسائلاً عن الفرق بين "التبعية الذاتية" و"التبعية الموضوعية".
وفي رده على المداخلات، أوضح أ. شادي الشربيني أن "الإرادة السياسية هي النافذة الوحيدة التي تجعلنا نستقل عن التبعية"، متفقاً مع د. صلاح عدلي ود. طه طنطاوي في أن الواقع يؤكد غرقنا في التبعية.
بينما اختتم د. محمد حسن خليل التعقيب بالتأكيد على ارتباطنا الوثيق بتبعية الصندوق، مكرراً أن المواجهة والتغيير هما مسؤولية القوى الاجتماعية والسياسية الوطنية.

صوت الشعب






