عاجلتوب ستوري

كلير صدقى تكتب ..توحش البشر.. وجوه تخفي الغل وما خفي كان أعظم

كلير صدقى تكتب ..توحش البشر.. وجوه تخفي الغل وما خفي كان أعظم

هل عاد قابيل وهابيل؟.. حين تتوحش النفوس وتطغى المادة على الإنسانية...

في عالم تتصارع فيه الحياة، ويسعى الجميع إلى كسب المال وتحقيق الطموح، يبدو السعي وراء الرزق والنجاح أمرًا طبيعيًا، بل وحقًا مشروعًا لكل إنسان. لكن غير الطبيعي أن تتحول المادة من وسيلة إلى غاية، وأن تطغى الرغبة في المال والمكاسب على الإنسانية، فتتحول الصداقات إلى علاقات سامة، وينقلب القريب على قريبه، والصديق على صديقه، لينفث سمومه في أقرب من عرفه وأقرب من عاش معه.

هنا، تتوقف عقارب الساعة للحظات، وتقشعر الأبدان، ويقف الإنسان حائرًا أمام سؤال مؤلم: إلى متى يستمر هذا السيناريو من الانتقام؟ وإلى أين يمكن أن يصل الإنسان حين تتحول دوافعه إلى السرقة أو الخيانة أو التحرش أو الشهوة أو الرغبة في إيذاء الآخرين؟

أصبحت تلك الوقائع، مع تكرارها، وكأنها مشاهد متتابعة تمر أمام أعيننا كشريط من الأفلام، لكنها في الحقيقة ليست أفلامًا ولا مشاهد من الخيال، وإنما حوادث واقعية تكشف عن تغيرات قاسية في سلوك البشر والعلاقات بينهم.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن أن نصل يومًا إلى عالم يصبح فيه كل إنسان جزيرة منعزلة عن الآخرين؟ وهل يمكن أن نعيش في عالم بلا إنسانية؟ ولماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟

كل منا يبحث عن الطموح، ويحلم بالنجاح، ويكافح من أجل تحقيق أهدافه، وهذا حق أصيل لا خلاف عليه. لكن الطموح لا يعني أن نقفز فوق الآخرين، ولا أن نتسلق على أكتافهم للوصول إلى ما نريد.

وأتذكر في هذا السياق كلمات قالها لي أحد رجال الدين: «مش كل اللي بيضحك لك في وشك بيحبك».

كلمات بسيطة، لكنها تحمل وراءها تجارب إنسانية طويلة. فالحياة تعلمنا أن هناك عيونًا ممثلة، ووجوهًا ترتدي أقنعة المحبة، وأشخاصًا قد يخفون خلف ظهورهم خنجرًا، وآخرين يحملون سمًا، سواء كان ذلك بقصد أو دون قصد.

وفي النهاية، يبقى الغل والحقد المدفونان أحد أخطر المشاعر التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى أفعال لا يمكن التراجع عنها.

المشهد أصبح أكثر قسوة عندما نرى صديقًا يقتل أسرة من أجل المال، ومسنًا يتحرش بطفل، وزوجًا يعطي زوجته أدوية منشطة، وابنًا يقتل أمه، إلى جانب وقائع الرشوة والفساد وغيرها من السلوكيات التي تجعل الإنسان يتساءل: إلى أين سيصل بنا المطاف؟

قد يقول البعض إن الحديث عن هذه الظواهر جاء متأخرًا، لكن الحقيقة أن الواقع أصبح يفرض نفسه بصورة فجة، وأن هذه المشاهد لم تعد حالات بعيدة عنا، بل أصبحت تتكرر بصورة تستحق التوقف والتأمل.

كل شخص تقريبًا يطلق سهامه تجاه حياة غيره، وكأن السعادة والنجاح والرضا ليست حقًا مشتركًا بين البشر، وكأن الإنسان لا يحق له أن يعيش في سلام، أو أن ينجح، أو أن يفرح بما حققه.

وهنا يظهر سؤال أكثر عمقًا: لماذا لا نحب الخير والنجاح للآخرين؟

لماذا يتحول نجاح شخص إلى مصدر للغيرة والحقد بدلًا من أن يكون دافعًا للتعلم والاجتهاد؟ ولماذا أصبح البعض يرى في نجاح الآخر تهديدًا له، بدلًا من أن ينظر إليه باعتباره فرصة لإثبات أن النجاح ممكن؟

هل عاد قابيل وهابيل من جديد؟

السؤال ليس عن قصة بعينها، وإنما عن ذلك الصراع القديم الذي يسكن داخل الإنسان عندما تتحول الغيرة إلى حقد، والحقد إلى رغبة في الانتقام، والانتقام إلى جريمة.

لقد أصبحنا أمام واقع يحتاج إلى مراجعة حقيقية للعديد من القيم التي تحكم حياتنا وعلاقاتنا. فالمادة ليست أساس الحياة، والمال ليس مبررًا لسحق الآخرين، والشهوة ليست نهاية المطاف، والنجاح لا يستحق أن ندفع ثمنه من إنسانيتنا.

نستطيع جميعًا أن نطمح، وأن نعمل، وأن نكافح، وأن نصل إلى ما نريد، لكن دون أن نتسلق على أكتاف غيرنا، ودون أن نكسر قلبًا، أو نهدم حياة، أو نسلب إنسانًا حقه في الأمان والعيش بكرامة.

انطلق، واترك لعنان طموحك السماء، وابحث عن فرصتك بالعمل والاجتهاد، ولا تجعل نجاح الآخرين سببًا في تعاستك.

فالحياة تتسع للجميع، والنجاح ليس قطعة واحدة إذا حصل عليها شخص حُرم منها الآخرون.

ربما نحتاج جميعًا إلى أن نتوقف قليلًا، ونراجع أنفسنا، ونسأل بصدق: هل ما زال في داخلنا متسع للإنسانية؟

فما خفي كان أعظم، وما نراه من حولنا قد لا يكون سوى الجزء الظاهر من أزمة أعمق تحتاج إلى مواجهة حقيقية، قبل أن يصبح الغل أقوى من المحبة، والمادة أقوى من الضمير، والانتقام أقوى من الإنسان نفسه.

السلطة الرابعة

صوت الشعب