في خطوة تهدف إلى إلقاء الضوء على الآثار المجتمعية والإنسانية المترتبة على تطبيق التشريعات الخاصة بالإصلاح الإداري، نظمت الهيئة البرلمانية لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي ندوة حوارية موسعة حول "آثار تطبيق القانون رقم 73 لسنة 2021" والمتعلق بشروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها (المعروف بقانون تحليل المخدرات للموظفين).
شهدت الندوة حضوراً حافلاً من أعضاء مجلس النواب، وممثلي المجتمع المدني، إلى جانب عدد من المتضررين والمفصولين من جهات عملهم، لمناقشة سبل معالجة الآثار المترتبة على تطبيق القانون، وتقديم مقترحات لتعديله بما يحقق التوازن بين الحفاظ على بيئة عمل آمنة وضمان حقوق العاملين وحمايتهم من الظلم.
ثغرات في التطبيق وتضارب في الأرقام
افتتح الندوة ودار جلساتها النائب أحمد بلال، عضو مجلس النواب عن حزب التجمع، موضحاً أن الهدف من التوثيق والحديث المتكرر عن هذا القانون هو نقل الصورة الحقيقية للبرلمان لتفادي الكوارث المجتمعية والمنازل التي تُخرب بسبب ثغرات التطبيق.
وأشار "بلال" إلى وجود مشكلة حقيقية لدى الحكومة في توضيح البيانات الخاصة بأعداد العمال المفصولين؛ حيث يوجد تضارب واضح في الأرقام المعلنة، داعياً الجهات المختصة للتعاون لتعديل القانون، ومثمناً المبادرة التي تقدمت بها النائبة نشوى الشريف كأول من طرح مشروع قانون بديلاً تحت قبة البرلمان.
من جانبه، أكد النائب إيهاب منصور أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 1.5 مليون متضرر بشكل مباشر أو غير مباشر جراء هذا القانون، مشيراً إلى وجود أخطاء إجرائية وفنية بليغة أثناء أخذ العينات. وطالب منصور بضرورة وجود "طرف ثالث محايد" بين اللجنة المختصة ومعمل التحاليل وبين إدارة العمل، معرباً عن قلقه من نسبة الخطأ في الأجهزة المستخدمة وعدم وجود معايرة دورية معلنة لها من قبل الدولة، وهو ما قد يتسبب في ظلم أشخاص حتى لو كانت نسبة الخطأ 1% فقط.
كما انتقد "منصور" المادة (15) من اللائحة التي تمنح مهلة أسبوعين فقط للرد على النتيجة، واصفاً الإجراءات بالمعقدة والمكبلة للموظف، فضلاً عن عدم كفاية مراكز علاج الإدمان المعتمدة لمواجهة هذه الأعداد.
وصمة عار وغياب للسرية
وفي سياق متصل، أكدت النائبة نشوى الشريف أن القانون أُقر في أجواء اتسمت بالسرعة عقب حوادث قطارات متتالية، مما أدى لصدور تشريع ينطوي على ثغرات كبرى. وأوضحت أن غالبية المفصولين ليسوا متعاطين بالمعنى المتعارف عليه، بل ظُلموا جراء عدم مراعاة حالاتهم الصحية وصرفهم لأدوية مدرجة بجدول المخدرات بتوصيات طبية موثقة، حيث أُجريت لهم التحاليل بشكل مفاجئ دون منحهم الفرصة لإثبات الروشتات الطبية.
وأضافت الشريف أن أغلب المذكرات التي نوقشت بلجنة القوى العاملة بالبرلمان تناولت هذه الأزمة، مشددة على ضرورة فرض "السرية التامة" على البيانات لحماية الأسر من الفضيحة المجتمعية وخراب البيوت.
شبهات عدم الدستورية وغياب التدرج في العقوبة
من جانبه، وصف كمال عباس، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، القانون بـ "غير الدستوري"، مؤكداً أنه يخالف قوانين العمل المستقرة ويمثل إجراءً شاذّاً ينبغي إغلاقه أو تعديله جوهرياً.
وأوضح عباس أن الأصل في قانون العمل هو التدرج في العقوبة وجودة إجراءات التقاضي، ولا يجوز الفصل المباشر دون محاكمة عمالية أو تحقيق إداري محايد يضمن حق الدفاع، متسائلاً: "كيف يُترك عامل وأسرته فجأة بلا مصدر رزق دون منحهم حق التظلم والتقاضي العادل؟".
شهادات حية للضحايا: قضايا مرفوضة وأسر بلا دخل
شهدت الندوة شهادات مؤلمة لعدد من العمال المتضررين الذين استعرضوا أزماتهم:
محمود خالد (شركة النيل للأدوية): أكد أنه جرى فصله رغم سلبية تحاليله لاحقاً بالطب الشرعي، مشيراً إلى أن إدارة الشركة استغلت القانون لفصله بسبب خلافات إدارية، وهو الآن يعمل على سيارة خاصة لإعالة طفليه.
إيمان مجدي (أرملة أحد المتضررين): أوضحت أن زوجها المتوفى فُصل بعد إبلاغه بالنتيجة بعد 40 يوماً من التحليل، رغم أنه كان يتعاطى علاجاً مسكناً بموجب روشتة من صيدلية الشركة نفسها، وتوفي منذ 18 شهراً تاركاً 4 أبناء بلا أي معاش أو مصدر رزق.
عزة (زوجة موظف بمصر للطيران): تساءلت عن سبب غياب آليات التظلم الحقيقية، مؤكدة أن زوجها مريض سكر وبروستاتة وكان يخضع لعلاج مكثف، مما تسبب في اهتزاز صورته أمام أبنائه وتدمير استقرار الأسرة.
محمود عبد الرحيم (شركة الكهرباء): أشارت شهادته إلى أنه كان يحمل الضبطية القضائية لظروف حسن سلوكه، إلا أنه فوجئ بإيجابية العينة وفُصل فوراً، ورفض القضاء دعواه استناداً لنص القانون الصارم، مما تسبب في إلحاق الضرر بأسرته ووظائف أقاربه بسبب وصمة الفصل.
نور المحمدي (أحد المفصولين):أكد وجود عشوائية في أخذ العينات، وأنه أجرى تحليلاً مستقلاً في جهة حكومية رسمية أثبت سلبية العينة ولكن لم يُعترف به، مما يهدده حالياً بطرد أسرته من منزلهم لعدم قدرته على سداد الأقساط.
حقوق الإنسان تدخل على الخط: جلسة استماع سرية لجمع البيانات
وفي ختام الندوة، أعلن الدكتور محمد ممدوح، رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، عن تنظيم المجلس لـ "جلسة استماع سرية" مخصصة للمتضررين، مغلقة أمام الصحافة والإعلام لضمان سرية البيانات وحماية المواطنين.
ودعا ممدوح جميع المتضررين للحضور وملء الاستمارات الرسمية بالبيانات والأرقام الدقيقة، مؤكداً أن المجلس يحتاج لبيانات موثقة لتقديمها رسمياً مع بداية دور الانعقاد القادم لمجلس النواب، مشدداً على أن الحل التشريعي داخل البرلمان هو الطريق الوحيد لإعادة الحقوق لأصحابها.

صوت الشعب






