* عبد الحميد منير المحامي بالنقض لـ «السلطة الرابعة»: الحكم ينهي حقبة احتكار "صاحب الشأن المباشر" لطلبات الشطب.. والمصلحة الشخصية تتسع للضرر الأسري.
* القضاء الإداري يضع ضوابط حاسمة بين "كارت المعلومات الأمنية" و"صحيفة السوابق".. ويؤكد: حماية العائلات من الآثار الجانبية للأحكام الجنائية حق دستوري.
في سابقة قضائية تُعدّ تحولاً فارقاً في تطبيقات العدالة الإدارية وتفسير قواعد "المصلحة" في رفع الدعاوى، أرست محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية مبدأً استثنائياً يقضي بحق أشقاء المحكوم عليه وأقاربه في الطعن الإداري على قرار جهة الإدارة (وزارة الداخلية) بالامتناع عن محو وشطب التسجيلات والمعلومات الجنائية الخاصة بشقيقهم، متى ترتب على بقاء هذه البيانات ضرر شخصي ومباشر يمس أسرته.
تصريح خاص: "الحق لا يحميه إلا القانون والقانون لا يحيى إلا بقضاء عادل"
وفي تصريح خاص لـ «السلطة الرابعة»، كشف الأستاذ عبد الحميد منير الناصري، المحامي بالنقض والمُطالب بهذا المبدأ، تفاصيل الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية (الدائرة الثالثة والخمسون) في الجلسة المنعقدة بتاريخ 26 يناير 2025؛ حيث قضت المحكمة بقبول الدعوى المقامة من أشقاء المحكوم عليه شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء قرار جهة الإدارة الرافض لمحو وشطب القيد والتسجيل الجنائي لشقيقهم.
وأكد «منير» في حديثه لـ «السلطة الرابعة»:
> «أهمية هذا الحكم الفريد تكمن في أنه يعيد تشكيل مفهوم الحماية القضائية؛ فهي لا ترتبط بصفات مجردة أو حصرية تقتصر على المتهم نفسه، بل تتسع لكل من يلحقه ضرر مباشر ومستمر من بقاء هذه البيانات. الأشقاء والأقارب قد يدفعون ثمنًا باهظًا من سمعتهم ومستقبلهم الوظيفي بسبب قيود جنائية قديمة أو قضايا انقضت، وهو ما فطنت له المحكمة وأسست عليه توافر المصلحة القانونية والمباشرة لهم».
واختتم المحامي بالنقض تصريحه بالقول: «إن الحق لا يحميه إلا القانون، والقانون لا يحيى إلا بقضاء عادل.. هذا الحكم يضع حدًا لآثار تمتد جائرًا لغير ذوي الشأن المباشر».
تحليل قانوني: كيف تطور مفهوم «المصلحة الشخصية» أمام مجلس الدولة؟
يُمثل هذا الحكم تطورًا جوهريًا في تفسير المادة (12) من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972، والتي تشترط توافر "المصلحة الشخصية والمباشرة" لرافع الدعوى. فبينما كان العرف القضائي المستقر لعقود يقتصر على قبول دعاوى محو التسجيل الجنائي إذا رُفعت من صاحب الشأن (المتهم أو المحكوم عليه بشخصه)، جاء هذا الحكم ليتوسع في مفهوم "الضرر الأسري والاجتماعي".
ويكشف التحليل القانوني لأبعاد هذا الاتجاه عن ثلاث نقاط مفصلية:
* امتداد الضرر للأسرة (التحريات الأمنية): يتضرر الأشقاء والأبناء بشكل مباشر عند تقدمهم للوظائف العامة، أو السلك القضائي، أو الكليات العسكرية والشرطية، حيث تحول كروت التسجيل الجنائي الخاصة بذويهم دون اجتيازهم لشرط "حسن السمعة" بناءً على التحريات، وهو ما أوجد لهم مصلحة مشروعة ومباشرة لإلغاء هذه التسجيلات.
* الفصل بين «صحيفة السوابق» و«شبكة المعلومات (كارت المعلومات)»: يفرق القضاء الإداري بوضوح بين "صحيفة الحالة الجنائية" (الفيش والتشبيه) التي تخضع لأحكام رد الاعتبار القانوني ومضي المدد، وبين "قواعد بيانات الأمن العام"، والتي يُعتبر استمرار القيد فيها – رغم انقضاء الدعوى، أو الحفظ، أو البراءة، أو تنفيذ العقوبة – بمثابة قرار إداري سلبي بالامتناع يخل بالحرية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة المكفولة بالمواد (57 و62) من الدستور.
* كبح جماح السلطة التقديرية لجهة الإدارة: تؤكد الأحكام الحديثة للمحكمة الإدارية العليا أن حق وزارة الداخلية في حفظ الأمن وبناء قواعد البيانات الجنائية ليس مطلقًا، بل هو مشروط بعدم الإضرار بالحقوق الحيوية والاعتبار الأدبي للمواطنين وأسرهم بدون مقتضى قانوني.
خاتمة:
يُشكل حكم الدائرة 53 بقضاء الإسكندرية الإداري نقطة ضوء جديدة في مسار تعزيز حقوق الإنسان والحماية القضائية في مصر، مُرسخًا قاعدة قانونية مفادها أن العدالة لا تقف عند حدود الطرف الأصيل في النزاع الجنائي، بل تمتد لتظلل أسرته وحمايتها من أثار جانبية تمس شرفها ومستقبل أبنائها.

صوت الشعب






