حذر مشاركون في الندوة الجماهيرية التي نظمتها "الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية" بالتعاون مع "الحزب الاشتراكي المصري"، من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة لسياسات الخصخصة، وبيع الأصول العامة، والتوسع غير المدروس في الاستدانة الخارجية والداخلية، مشيرين إلى أن أعباء خدمة الدين أصبحت تلتهم الجزء الأكبر من الموازنة العامة وتفقد الدولة التحكم في أسعار الخدمات الأساسية وعلى رأسها الطاقة.
الندوة التي أقيمت تحت عنوان "أسعار الطاقة وسياسات الخصخصة" بمقر الحزب الاشتراكي المصري بالقاهرة، وأدارها المهندس نبيل بهاء الدين، شهدت حضوراً واسعاً من قيادات أحزاب الجبهة (الحزب الاشتراكي المصري، حزب الكرامة، الحزب الشيوعي المصري، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي) إلى جانب نخبة من الخبراء والقانونيين والصحفيين.
تاريخ الطاقة وتداعيات "بيع أصول الكهرباء"
في مستهل الحوار، قدم الدكتور المهندس منير مجاهد، النائب الأسبق لرئيس هيئة المحطات النووية، استعراضاً تاريخياً لنشأة واستخدامات الطاقة في مصر، مشيراً إلى أن مصر بدأت استيراد الفحم من أوروبا منذ عهد محمد علي، حتى اكتشاف البترول عام 1913، بينما دخلت الكهرباء مصر عام 1893.
وأكد "مجاهد" أن الطاقة تمثل المحرك الأساسي لكافة قطاعات التنمية، متسائلاً عن الجدوى الاقتصادية للمشاريع الحالية التي تُنفذ دون دراسات جدوى كافية ولا تحقق عائداً ملموساً، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الدين الداخلي والخارجي لمستويات غير مسبوقة.
وأضاف النائب الأسبق لرئيس هيئة المحطات النووية أن تزايد أعباء الديون دفع الحكومة لتصرفات تشبه "بيع عفش البيت"، عبر التنازل عن شركات وأراضٍ وممتلكات سيادية لصالح أطراف خارجية ودول دائنة بتقييمات مالية بخسة لا تعبر عن قيمتها الحقيقية. وحذر من أن التخلي عن شركات توليد وتوزيع الكهرباء يفرغ الدولة من قدرتها على التحكم في أسعار الطاقة ويضع المواطن تحت رحمة المستثمرين.
أزمة أسعار الكهرباء والتلوث البيئي
من جانبه، تناول الباحث الاقتصادي إلهامي المرغني، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أزمة أسعار الكهرباء، موضحاً أن الحكومة فتحت الباب للشركات لاستخدام الفحم في توليد الطاقة منذ عام 2013 رغم أنه أكثر المصادر تلوثاً للبيئة.
ولفت "المرغني" إلى أن متوسط نصيب الفرد من استهلاك الكهرباء في مصر يُعد من أقل المعدلات عالمياً، مستنكراً تحركات الحكومة المتكررة لرفع الأسعار بدعوى "رفع الدعم"، مؤكداً أن قفزات أسعار الكهرباء للقطاعين المنزلي والتجاري وتغيير الشرائح بصورة متتالية يأتي لخدمة سداد القروض الضخمة التي حصلت عليها وزارتا الكهرباء والنقل.
وأوضح "المرغني" أن التجربة المصرية في النهضة الصناعية قامت بالأساس على التكامل (مثل إنشاء شركة الكوك بجوار مصنع الحديد والصلب)، بينما تعتمد السياسات الحالية على "تفكيك الصناعات" وفصلها عن بعضها لإظهار خسارتها تمهيداً لبيعها، بدءاً من شركة المراجل البخارية وحتى الحديد والصلب.
مراحل تصفية ممتلكات الدولة والأرقام الصادمة
وفي كلمة تفصيلية مدعومة بالأرقام والوثائق، كشف الدكتور محمد حسن خليل، القيادي بالحزب الاشتراكي المصري، عن الخطورة البالغة لوضع الدين العام في مصر، مشيراً إلى أن إجمالي الدين العام والدين الخارجي يتجاوز ضعف النسب المعلنة رسمياً.
واستعرض "د. خليل" المؤشرات الاقتصادية الصعبة، مشيراً إلى أن:
الدين الداخلي المعلن: بلغ نحو 15.4 تريليون جنيه (ما يعادل 88% من الناتج المحلي الإجمالي).
إجمالي الدين العام: وصل إلى نحو 23.4 تريليون جنيه.
خدمة الدين: تلتهم أكثر من نصف الموازنة العامة للدولة ونحو 20% من الناتج المحلي، في حين تبلغ أعباء خدمة الدين الخارجي وحده نحو 54.6 مليار دولار (14% من الناتج المحلي الإجمالي).
أرباح الاستثمارات الخارجية المحولة: بلغت 11.5 مليار دولار (3.3% من الناتج المحلي).
أرباح الواردات السلعية: بلغت نحو 91 مليار دولار.
توزيع الدخل: أكثر من 10% من السكان يمتلكون ثلثي الثروة (62% من الناتج المحلي)، بينما يستحوذ دخل العمل على 24% فقط مقابل 76% لعوائد الملكية.
وحذر القيادي بالحزب الاشتراكي من الوصول إلى "مرحلة الخطر القانوني"، التي تجيز للدائنين إعلان إفلاس الدولة والحجز الدولي على أصول القطاع العام والشركات الوطنية وصولاً إلى الممتلكات السيادية.
وأوضح "د. خليل" أن التنازل عن أصول الدولة يتخذ ثلاث مراحل رئيسية من 2020 إلى 2026:
المرحلة الأولى: تصفية الشركات القابضة وبيع أثمن الشركات والأصول لتسديد الديون واستيفاء اشتراطات صندوق النقد الدولي (مثل تصفية الغزل والنسيج وإدخال الشريك الأوروبي بنسبة 50% في التوسعات، وبيع 7 فنادق تاريخية تابع للشركة القابضة للفنادق).
المرحلة الثانية: إقرار "وثيقة ملكية الدولة" لعام 2022، والتي شرعنت التنازل عن أصول القطاع العام.
المرحلة الثالثة (وثيقة ملكية الدولة الثانية والقانون 170 لسنة 2025): والتي تهدف لرفع إسهام القطاع الخاص إلى 65% من إجمالي الاستثمارات بحلول 2030، وتأسيس "وحدة الشركات المملوكة للدولة" بوزارة المالية لتكون هي المايسترو لإدارة الطروحات والخصخصة عبر 3 قنوات (برنامج الطروحات، البورصة، والصندوق السيادي)، وتسهيل نقل تبعية أصول الشركات إلى الصندوق السيادي والصناديق القومية الأخرى لبيعها دون رقابة نيابية.
تدمير القلاع الصناعية وهدم التكامل الإنتاجي
من جانبه، استعرض الدكتور عمرو الخطيب، عضو مجلس إدارة شركة الكوك سابقاً، تجربة تصفية القلاع الصناعية المصرية، مؤكداً أن ما يحدث مع شركتي "الحديد والصلب" و"الكوك والكيماويات" ليس خصخصة بل هو "تدمير متعمد للصناعة الوطنية وتشريد لآلاف العمال".
وأوضح "الخطيب" أنه في عام 2021 تم فصل مناجم الحديد عن شركة الحديد والصلب، مما أدى إلى إلزام الشركة بشراء المواد الخام بأسعار مرتفعة وتفاقم مديونيتها إلى 8 مليارات جنيه، ليُتخذ ذلك ذريعة لتصفيتها وتشريد عمالها وتفكيك التكامل الذي بنيت عليه الصناعة الثقيلة في مصر.
نقاشات حادة ومطالبات ببدائل وطنية
وشهدت الندوة مداخلات وافتراضات حادة من الحضور؛ حيث تساءلت المحامية صفاء ذكري مراد عن الهندسة التشريعية التي سُمح بها للصندوق السيادي بالتصرف في أصول الدولة دون رقابة مجتمعية، وكيفية التصدى لهذا القمع والتخريب الذي يذهب بالبلاد نحو المجهول.
بينما طالب الصحفي أحمد رضوان بطرح "روشتة عمل وعلاج" لمواجهة الفساد الناجم عن عمليات البيع والتصفية.
وفي ذات السياق، أكدت الدكتورة كريمة الحفناوي أن الشعب المصري يرفض التفريط في أصوله منذ معارك "تيران وصنافير" وحملات "لا لبيع ممتلكات الدولة" عقب تصفية الحديد والصلب. ودعت "الحفناوي" القوى الوطنية والسياسية إلى فتح حوار موسع حول "ما العمل؟" وتقديم بدائل اقتصادية وطنية للخصخصة والاستدانة.
فيما شددت المحامية ماجدة رشوان على ضرورة توثيق كافة خطط البيع وزيادة الديون لتوعية الرأي العام بخطورة ما يجرى، والتصدي لمخطط إفقار الشعب ونهب مقدراته.
واختتم المشاركون الندوة بالتأكيد على أن الواجب الوطني يتطلب التصدي لمخطط الخصخصة واستقطاب الثروة، والعمل على صياغة مشروع اقتصادي يحقق العدالة الاجتماعية ويحمي الأصول القومية للبلاد.

صوت الشعب






