أصدر مجلس الشباب المصري تقريرًا جديدًا بعنوان «الشباب والسلام والأمن في المنطقة العربية»، دعا خلاله إلى فتح مرحلة جديدة في التعامل مع أجندة الشباب والسلام والأمن عربيًا، تنتقل من مجرد الاعتراف بأهمية مشاركة الشباب إلى بناء مسارات مؤسسية تضمن حضورهم الفعلي في صياغة السياسات وصناعة القرار والوقاية من النزاعات وبناء السلام.
ويكتسب الملف أهمية خاصة في منطقة يمثل فيها الشباب بين 15 و29 عامًا نحو 30% من السكان، بما يقارب 110 ملايين شاب وشابة، في وقت تتقاطع فيه تحديات النزاعات والنزوح والبطالة والضغوط الاقتصادية والاجتماعية مع قضية المشاركة العامة ومستقبل الاستقرار والتماسك داخل المجتمعات العربية.
ويطرح التقرير، بعد أكثر من عقد على صدور قرار مجلس الأمن رقم 2250 بشأن الشباب والسلام والأمن، قراءة للمرحلة التي وصلت إليها الأجندة في المنطقة العربية، في ضوء تطور الإطار الدولي والاستراتيجية العربية للشباب والسلام والأمن 2023–2028، مستعرضًا نماذج من الأردن والعراق ولبنان والصومال واليمن ومصر.
ويخلص التقرير إلى أن المنطقة العربية لا تعاني من غياب المبادرات الشبابية أو ضعف الرغبة في المشاركة، بقدر ما تواجه تحديًا أكثر تعقيدًا يتعلق بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى تأثير مؤسسي مستدام، من خلال وضوح المسؤوليات وآليات التنسيق والتمويل والبيانات، وربط المبادرات المحلية بمستويات صنع القرار الوطني.
وقال الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري، إن مرور أكثر من عشر سنوات على القرار 2250 يفرض الانتقال بالنقاش من سؤال الاعتراف بدور الشباب إلى سؤال أكثر جدية يتعلق بحجم المساحة التي يشغلونها بالفعل داخل عملية صنع السياسات والقرارات.
وأضاف ممدوح: «الشباب لا يحتاجون إلى مزيد من الخطابات التي تؤكد أنهم شركاء في المستقبل؛ هم يحتاجون إلى مؤسسات تتعامل معهم باعتبارهم شركاء في الحاضر. وهناك فارق كبير بين أن نستمع إلى الشباب، وأن يكون لصوتهم مسار واضح يصل إلى القرار، وبين أن ندعوهم إلى طاولة الحوار، وأن يكون لهم دور حقيقي في تحديد ما يوضع على هذه الطاولة من الأساس».
وتابع: «حين نتحدث عن السلام فنحن لا نتحدث فقط عن وقف نزاع مسلح أو التوصل إلى اتفاق سياسي؛ فالسلام يبدأ من قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته دون عنف، ومن حماية مساحة الحوار، ومواجهة خطاب الكراهية، وتوسيع فرص المشاركة، ومن شعور الشباب بأن لديهم طريقًا مشروعًا ومتاحًا للتأثير في مستقبل مجتمعاتهم. ولهذا فإن مشاركة الشباب ليست قضية قطاعية تخص الشباب وحدهم، وإنما جزء من بنية الاستقرار والسلام الاجتماعي».
وأكد ممدوح أن المنطقة العربية تمتلك بالفعل خبرات شبابية ومدنية جديرة بالبناء عليها، مضيفًا: «التحدي أمامنا ليس صناعة دور للشباب من الصفر، وإنما الاعتراف بما يقومون به بالفعل، ثم فتح الطريق أمام هذه الخبرات لكي تنتقل من المبادرة إلى المؤسسة، ومن التأثير المحلي إلى السياسة العامة. وحين نستطيع تتبع فكرة طرحها شاب حتى نراها منعكسة في سياسة أو برنامج أو قرار، نكون قد بدأنا الحديث عن مشاركة حقيقية».
من جانبه، قال الدكتور شريف عبد الحميد، مدير وحدة العلاقات الدولية بمجلس الشباب المصري، إن المشهد العربي خلال السنوات الأخيرة يعكس تحولًا مهمًا في التعامل مع أجندة الشباب والسلام والأمن، خاصة مع الانتقال من المرجعية الدولية إلى استراتيجية عربية وخطة تنفيذية، بالتوازي مع تجارب وطنية تتحرك بسرعات ونماذج مختلفة.
وأوضح عبد الحميد: «القراءة المقارنة للتجارب العربية تكشف أن المنطقة لا تفتقر إلى المبادرات أو النماذج الواعدة، وإنما تواجه تحديًا يتعلق بتحويلها إلى بنية مستدامة. فالتجربة التي تنتهي بانتهاء التمويل أو المشروع تظل خبرة مهمة، لكنها لا تصبح سياسة عامة إلا عندما ترتبط بمؤسسة ومسؤوليات واضحة وموارد وآلية للمتابعة وقياس الأثر».
وأضاف: «من المهم ألا نبحث عن نموذج عربي واحد يتم نسخه من دولة إلى أخرى؛ فاحتياجات دولة متأثرة بالنزاع والنزوح ليست هي احتياجات دولة تتمتع بدرجة أكبر من الاستقرار المؤسسي. المطلوب هو أطر وطنية نابعة من السياق المحلي، ولكنها تلتقي عند مبادئ أساسية: مشاركة حقيقية وليست رمزية، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، وموارد يمكن تتبعها، وبيانات تسمح لنا بأن نعرف ليس فقط كم شابًا شارك، وإنما ماذا تغير نتيجة مشاركته».
وتكشف المقارنة التي يقدمها التقرير تفاوتًا في مستويات المؤسسية عربيًا؛ إذ انتقل الأردن إلى خطة وطنية وآليات للمتابعة، بينما يتحرك العراق ولبنان والصومال بدرجات مختلفة نحو استكمال أطرهم الوطنية، في حين يبرز في اليمن حضور المجتمع المدني والمبادرات المحلية بصورة أوضح من وجود إطار حكومي موحد.
ويشدد التقرير على أن هذا التفاوت لا يمثل ترتيبًا للدول أو تقييمًا شاملًا لأدائها، وإنما يعكس اختلاف المرحلة المؤسسية التي وصلت إليها كل تجربة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن وجود خطة وطنية لا يمثل في حد ذاته نهاية المسار، وإنما تتحدد قيمتها بوضوح المسؤوليات والتمويل والمؤشرات وآليات المتابعة ومدى مشاركة الشباب أنفسهم في مختلف مراحلها.
وعلى المستوى المصري، يرصد التقرير وجود قاعدة واسعة يمكن البناء عليها، تشمل الاستراتيجية الوطنية للشباب والرياضة 2025–2032، وعددًا من البرامج المرتبطة بالسلام المجتمعي والحوار وقبول الآخر، إلى جانب المؤسسات المتخصصة ومبادرات المجتمع المدني والمشاركة المصرية في الأطر العربية ذات الصلة.
ويطرح مجلس الشباب المصري في هذا السياق إمكانية البناء على ما هو قائم من خلال إطار تنسيقي أكثر وضوحًا يربط هذه المسارات، ويصل المبادرات المحلية بالأطر العربية والدولية، بالتوازي مع تطوير أدوات لقياس أثر برامج المواطنة والتسامح وبناء السلام وتوسيع نطاق الوصول إلى الشباب في مختلف المحافظات والمجتمعات المحلية.
ويؤكد التقرير في خلاصته أن الشباب حاضرون بالفعل في الحوار والوساطة والتطوع والعمل الأهلي والمبادرات المجتمعية، وأن القضية لم تعد إثبات قدرتهم على المشاركة، وإنما بناء الطريق الذي يحول هذه المشاركة إلى تأثير مؤسسي مستدام.
واختتم ممدوح: «المنطقة العربية لا ينقصها شباب يريدون أن يصنعوا الفارق؛ ما نحتاجه هو أن تصبح مؤسساتنا أكثر قدرة على استقبال هذا الدور وتحويله إلى أثر. فالسلام الذي نصنعه للشباب قد يستمر فترة، أما السلام الذي يشارك الشباب في صناعته فهو الأقدر على الاستمرار»

صوت الشعب






