مقالات الرأي

بين فواتير الغلاء وفاتورة الدم.. لماذا يُدفع بمصر إلى حرب في اليمن؟

بين فواتير الغلاء وفاتورة الدم.. لماذا يُدفع بمصر إلى حرب في اليمن؟

بينما تترقب الأوساط السياسية والشعبية مسار النقاشات الدائرة حول دعوة مؤسسة الرئاسة للتصويت داخل مجلس النواب على قرار إعلان الحرب ضد اليمن بدعوى مناصرة المملكة العربية السعودية، كشفت الجلسة الأولى عن رفض صريح عبر عنه ثلاثة نواب فقط. هذا المؤشر، وإن بدا محدوداً بالأرقام الرسمية داخل قبة البرلمان، إلا أنه يعكس بوضوح اتساع الفجوة بين المزاج النيابي وتطلعات الشارع المصري الحقيقية.

واقع الأمر أن تركيبة هذا البرلمان لا تعبر بحال عن الإرادة الشعبية؛ فأغلبية أعضائه وصلوا إلى المقاعد عبر نظام "القوائم المطلقة"، وسط شبهات بضخ ملايين الجنيهات للأحزاب لضمان حجز المواقع المتقدمة فيها. من هنا، يصبح من الصعب التعويل على هؤلاء لتجسيد هموم وطموحات المواطن البسيط، الذي يتوجب عليه اليوم رفض أي قرارات تورط البلاد في أتون صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل، والتي يبدو المستفيد الأكبر منها حصرياً هو الكيان الإسرائيلي، لا قضايا العروبة أو الأمن القومي المصري.

لقد كان واضحاً للجميع، ودون مواربة، أن هذا التوجه جاء استجابة لمطلب سعودي صريح. وهنا نوجّه الرسالة واضحة جلية للحكومة والنظام الحاكم: لا تكفي أموال الدنيا، ولا حتى سداد كامل الديون الخارجية، لتبرير توريط مصر في دماء أبنائها ضد الشعب اليمني. ألا يتذكر الجميع أن اليمن يشكل عملياً "شوكة في ظهر إسرائيل"، التي لا تزال تحلم بمشروعها التوسعي المزعوم من النيل للفرات؟

تزعم الحكومة مسوقةً قرارها أمام البرلمان بأن الحرب تأتي حمايةً للأمن القومي المصري، مدعيةً أن غلق باب المندب يضر بإيرادات قناة السويس. والرد العملي على ذلك بسيط: لقد أغلق باب المندب في أوقات سابقة عديدة، وخسرت مصر أموالاً طائلة، ومع ذلك لم نشن حرباً على اليمن لأجل ذلك. واليوم، تبدو الذريعة غطاءً سياسياً لتحقيق رغبات الرياض وليس دفاعاً عن الأمن القومي الاستراتيجي لمصر.

وعلى من يتسرع بالموافقة على هذا القرار داخل قبة البرلمان أن يدرك بديهية عسكرية وسياسية بسيطة: عندما نعلن الحرب ونخوضها ضد طرف ما، فإننا نمنحه تلقائياً الحق الشرعي والعسكري في الرد وضربه أهدافاً داخل الأراضي المصرية. فهل تبحث مصر حقاً عمن يستهدفها ويضرب أمنها الداخلي، بينما هي في غنى تام وعافية عن هذا المنزلق المنشأ بأيدينا؟

من الواجب اليوم مخاطبة صانع القرار وأعضاء مجلس النواب بلغة العقل والحكمة: هل أدركتم الفاتورة الحقيقية للحرب؟ هل تدركون معنى أن تعود جثامين الجنود في صناديق الخشب، وأن تترمل الزوجات ويتيم الأطفال؟ إن خسائر الأرواح لا تعوضها أموال الدنيا، فضلاً عن فواتير العتاد والتجهيزات العسكرية الباهظة. السعودية هي من ورطت نفسها في هذا المستنقع من خلال محاولات فرض الوصاية الدائمة على الشعب اليمني، أما مصر فهي في غنى تام عن هذا العبث.

إن المخرج الحقيقي يكمن في النأي بأنفسنا عن ساحة القتال، وتفعيل الدور الدبلوماسي المصري التقليدي الذي طالما حظي بتقدير واحترام الشعوب والدول. مصر تمتلك رصيداً تاريخياً وحضارياً يجعلها قادرة على طرح مبادرات سلمية دبلوماسية مقبولة للطرفين المتصارعين، الرياض وصنعاء، بدلاً من لغة البنادق ولا حتى الطائرات المسيرة.

على الصعيد الداخلي، يعاني المواطن المصري الأمرين بحثاً عن لقمة العيش، محاصراً بارتفاع جنوني في الأسعار وموجات التضخم وسياسات التقشف القاسية التي فرضتها الدولة. إن معركة المواطن اليوم هي معركة بقاء يومية ضد تجار الأزمات والجشع. وكان الأولى بالحكومة أن تلتفت لمعالجة هذه الأزمات المستحكمة بدلاً من إضافة أعباء جديدة على كاهل الكادحين من أجل تسوية حسابات إقليمية لا تخصنا.

ولنا في التعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي عبرة؛ فعندما واجهت مصر تهديداً وجودياً مباشراً يتعلق بحصة مياه النيل، اختارت القيادة السياسية بحكمة تامة الحلول الدبلوماسية وتجنب المواجهة العسكرية. وإذا كان هذا الخيار عقلانياً ومفهوماً في مواجهة خطر وجودي على أبوابنا، فكيف يُقبل اليوم أن تورط الدولة نفسها في حرب خارجية لمجرد إرضاء مطلب سعودي؟

وهنا نطرح السؤال المباشر للسيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، وهو الذي أعلن مسبقاً أن ولايته الحالية تنتهي عام ٢٠٣٠ (أي بعد أربعة أعوام من الآن): كيف تُختتم مسيرتك السياسية ورئاستك لمصر بقرار تورط فيه البلاد في حرب لن تجلب للشارع سوى مزيد من التقشف والفقر وفاتورة الدم؟

السلطة الرابعة

صوت الشعب