نظم الحزب الاشتراكي المصري، بمقره الجديد بوسط البلد، ندورة نقاشية موسعة تحت عنوان "مصر والقرن الأفريقي.. المخاطر والتحديات"، أدارها أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب، وبحضور نخبة من الشخصيات العامة، والخبراء، والسياسيين، والصحفيين، لتسليط الضوء على قضية الأمن القومي الأبرز التي تمس استقرار مصر خلال العقود الأخيرة.
افتتاحية الندوة: القرن الأفريقي هو العمق الاستراتيجي لمصر
استهل أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، الندوة بالتأكيد على حرص الحزب الدائم على قضايا المجتمع المصري والأمن القومي، مشيراً إلى أن قضية القرن الأفريقي تظل تمثل عمقاً استراتيجياً وتأثيراً مباشراً على الأمن القومي المصري على مدار الـ 15 سنة الماضية، ولا سيما في ظل تصاعد الأزمات والتوترات بين إثيوبيا والسودان، والتهديدات الإثيوبية المستمرة المتعلقة بمياه النيل وخط النهر.
أماني الطويل: أبعاد دينية وجيوسياسية للصراع.. ونحتاج لسردية أفريقية جديدة
من جانبها، أكدت الدكتورة أماني الطويل، خبيرة الشؤون الأفريقية، أن الدولة المصرية -حكومة وشعباً- واجهت قصوراً تاريخياً في فهم العقلية الإثيوبية وطرق التعامل معها. وأوضحت أن جذور الصراع تمتد تاريخياً إلى القرن الخامس عشر ميلادي، حين نشبت صراعات بين الممالك الإسلامية والمسيحية، لافتة إلى استنجاد الممالك المسيحية في الهضبة الإثيوبية بالفاتيكان أنذاك، ومقارنة ذلك بالعصر الحديث واستناد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الدعم من الكنيسة الأمريكية، مشددة على أن "العامل الديني لا يمكن استبعاده".
وأضافت "الطويل" أن هناك تقاطعات ومصالح مشتركة تجمع الجانبين الإسرائيلي والإثيوبي، محذرة من الرأي القائل بأن أي خلاف داخلي في إثيوبيا يصب بالضرورة في صالح المصلحة المصرية، موضحة أن الخلاف المصري الإثيوبي يعد عابراً لتغير السياسات.
وعن خطورة العامل الإسرائيلي - الأمريكي، أشارت إلى دخول طرف رابع على خط الأزمة وهو "الإمارات"، منتقدة الانسحاب المصري السابق من الصومال. وحذرت من أن المشكلة الرئيسية تتعلق باحتمالية "بيع المياه" وإمكانية نقلها إلى إسرائيل عبر الأنابيب في البحر الأحمر، مؤكدة أن حرمان مصر من حصتها المائية سيخلق فوضى عارمة في الشرق الأوسط ستنعكس سلباً وبشكل مباشر على إسرائيل ذاتها.
وعن الحلول والرؤى المستقبلية، رأت "الطويل" أن مصر بدأت منذ سنتين تكثيف ضغوطها، ونجحت في ضرب الرسالة الإثيوبية المزعومة بأن القاهرة تقف ضد تنمية إفريقيا، بدليل إسهام مصر في بناء سد بتنزانيا. وشددت على ضرورة تعزيز العلاقات مع القارة الأفريقية عبر تعاون ثقافي وتعليمي حقيقي مع دول القرن الأفريقي، وصياغة "سردية أفريقية جديدة" تحتاج إلى نقاش وعصف ذهني، بعيداً عن اختزال العلاقة في الاقتصاد والأعمال، مؤكدة أن الموارد الإفريقية الهائلة يجب أن تكون شعوب القارة أولى بها من الغرب.
نادر نور الدين: عقلية إثيوبية عدوانية.. وسلبيات في مسار التفاوض المائي
وفي السياق ذاته، قدم الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية، رؤية فنية خالصة خالفت بعض الطروحات الدبلوماسية، مؤكداً أن العقلية الإثيوبية تتسم بشدة العدوانية والعنف، وأن أديس أبابا لا تتقبل وجود كيان سيادي مستقل بذاته اسمه "السودان"، وتعتبر أراضيه امتداداً تاريخياً لها. وأشار إلى أن السودان استعان في عهد محمد علي بالجيش المصري للدفاع عن أراضيه ضد الأطماع الإثيوبية.
وأوضح "نور الدين" أن المكتب الاستشاري الفرنسي الذي اختارته إثيوبيا أعد تقريراً يؤكد خطورة سد النهضة على مصر، وهو ما دفع أثيوبيا لرفض تقرير مكتبها المختار. وانتقد المسار التفاوضي السابق، مشيراً إلى أن اتفاقية "عنتيبي" شهدت أخطاء جسيمة، حيث لم يعترض الممثل المصري على قطع مياه النهر بل تركز الاعتراض على البند الخاص بإلغاء الاتفاقيات التاريخية السابقة لمياه النيل، لافتاً إلى أن المفاوض لو كان مسلحاً بخلفية علمية لأقنع الدول الموقعة برفض الاتفاق.
كما كشف عن كواليس فنية تخص نية إثيوبيا بناء 3 سدود خلف السد الرئيسي نظراً لأن النيل الأزرق محمل بكميات ضخمة من الطمي ستؤدي إلى امتلاء البحيرة المجاورة خلال فترة تتراوح بين 70 إلى 80 عاماً، مما يجبر إثيوبيا تقنياً وعلمياً على تشييد سدود إضافية، مشدداً على أن المفاوضات يجب أن تركز على "حصة مصر من المياه" لا على شكل السدود الإنشائية.
مناقشات ومداخلات الحضور
شهدت الندوة تفاعلاً واسعاً ومداخلات من الحضور والقيادات الحزبية والصحفية:
النائب عاطف المغاوري: استعرض محطات تاريخية، مشيراً إلى أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كانت له علاقة طيبة مع الإمبراطور هيلا سيلاسي، وشاركا معاً في بناء الكاتدرائية ووصول رفات مارمرقس إلى مصر. وحذر من تلويح مصر بالقوة العسكرية باعتبارها الحل الأخير بعد نفاذ كافة الحلول السلمية، منتقداً مشروع "توشكي" ومفيضه الذي يرى أنه لا يحجز المياه بل يجعلها تتبخر في الصحراء.
الدكتور محمد حسن خليل (القيادي بالحزب الاشتراكي): أكد على أهمية تفعيل أدوات القوة الناعمة، وقوة الوعي، والاعتماد على قدرات الجيش المصري الاستراتيجية.
الصحفية إناس : طرحت تساؤلات حول طبيعة الأدوات الدبلوماسية المتاحة لمواجهة الأزمة، وإمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
المحامي عمرو إسماعيل: وجه تساؤلاً مباشراً حول حجم الخسائر الفعلية التي لحقت بحصة مصر المائية عقب بناء السد.
الدكتور طنطاوي (حزب التحالف الشعبي الاشتراكي): أكد أن المياه مورد فريد لا يمكن تعويضه مقارنة بالطاقات الأخرى.
واختتمت الندوة بتأكيد المشاركين على ضرورة توحيد الجهود الوطنية، ومراجعة استراتيجيات التعامل مع ملف القرن الأفريقي، وتعزيز الوعي الشعبي والرسمي بمخاطر الأمن المائي باعتباره خطا أحمر لا يمكن التنازل عنه.

صوت الشعب






