أخبار مصر

نشروا الإحالة.. فأين نشر البراءة؟! إيناس النحاس في مواجهة حملات التشويه.. عندما تتصدر الاتهامات المشهد وتغيب الحقيقة عن العناوين

نشروا الإحالة.. فأين نشر البراءة؟!

إيناس النحاس في مواجهة حملات التشويه.. عندما تتصدر الاتهامات المشهد وتغيب الحقيقة عن العناوين

من التشكيك في المؤهلات إلى تداول خبر الإحالة للمحكمة.. ثم سؤال لا يجوز تجاهله: إذا كانت المحكمة قد قضت بالبراءة، فلماذا لا تحظى النتيجة القضائية بالوضوح والاهتمام نفسيهما؟

ليست أخطر معارك السمعة تلك التي تبدأ باتهام، بل تلك التي تستمر بعد أن تتغير المعطيات، ويصبح واجب الجميع مراجعة ما نُشر على ضوء ما انتهت إليه الإجراءات القانونية.

في ملف الدكتورة إيناس النحاس، رئيس الإدارة المركزية للشؤون الإدارية والموارد البشرية بالهيئة العامة للتأمين الصحي، يبرز تساؤل يتجاوز حدود الواقعة القضائية ذاتها: هل نُقل إلى الرأي العام ما يكفي لفهم حقيقة الملف، أم أن الاهتمام انصب على الاتهامات والإحالة، بينما لم تحظِ النتيجة القضائية بالمساحة ذاتها؟

إن القضية هنا ليست مطالبة بمنح مسؤول حصانة، ولا محاولة لمصادرة حق المجتمع في المعرفة، وإنما دفاع عن قاعدة أساسية في العمل الصحفي: لا يجوز أن تتحول الإحالة إلى محاكمة في الرأي العام، ثم تُترك البراءة، إن ثبت صدورها، خارج دائرة الضوء.

فالشخص المحال إلى المحاكمة لا يصبح مدانًا بمجرد الإحالة، والعدالة لا تكتمل في وعي المجتمع بمجرد تداول خبر بدء الإجراءات؛ بل تقتضي متابعة ما انتهت إليه القضية، ونشر النتيجة بدقة ووضوح.

أولًا: من التشكيك إلى الإحالة.. كيف تشكلت صورة القضية؟

لم يقتصر الجدل المحيط بالدكتورة إيناس النحاس على سؤال يتعلق بمؤهلاتها العلمية أو مدى ملاءمتها لموقعها الوظيفي، بل امتد إلى تداول معلومات عن إحالتها إلى المحكمة، بما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الطريقة التي عُرض بها الملف على الرأي العام.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح الفارق بالغ الأهمية بين عرض واقعة إجرائية، وبين تقديمها للقارئ باعتبارها دليلًا على ثبوت مخالفة.

فالإحالة إلى المحكمة، أيًا كانت طبيعتها، لا تعني بذاتها الإدانة، كما أن مجرد تداول خبرها لا يغني عن متابعة الحكم الذي صدر في القضية.

ومن هنا، فإن أي تغطية صحفية مهنية لهذا الملف ينبغي أن تجيب عن ثلاثة أسئلة واضحة:

ما الواقعة التي أُحيلت بسببها القضية؟

ما الذي انتهت إليه المحكمة المختصة؟

وهل جرى تحديث المعلومات المنشورة بما يعكس النتيجة القضائية النهائية؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلًا في الهامش؛ إنها جوهر المسؤولية الصحفية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بسمعة مسؤول يشغل موقعًا عامًا.

ثانيًا: المستند المرفق يفتح بابًا مهمًا.. أين نتيجة القضية من التغطية؟

تكتسب الصورة المرفقة أهمية في سياق متابعة الملف؛ إذ تتضمن كشفًا منسوبًا إلى المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا، يظهر ضمن بياناته اسم الدكتورة إيناس النحاس، إلى جانب بيانات متعلقة بالجلسة والقضية.

وتظهر في الخانة الخاصة ببيان القرار الصادر بالقضية كتابة بخط اليد تتضمن كلمة «براءة»، وفق القراءة الظاهرة للصورة.

وهنا تبرز ضرورة صحفية لا تحتمل التأجيل: التحقق من منطوق الحكم الكامل، وتاريخه، ورقم القضية، ومدى نهائيته، ثم نشر النتيجة القضائية على نحو واضح لا يترك مجالًا للالتباس.

فالصورة المتاحة تمثل قرينة تستحق الفحص، لكنها لا تغني وحدها عن الاطلاع على نسخة رسمية كاملة من الحكم.

إذا ثبت أن المحكمة قضت ببراءة الدكتورة إيناس النحاس في القضية التي جرى تداول خبر إحالتها بشأنها، فإن نشر خبر الإحالة دون إبراز ما انتهت إليه المحكمة يترك صورة ناقصة عن القضية، ويستوجب تصحيح التغطية وتحديثها.

والسؤال الذي يفرض نفسه عندئذ ليس لماذا أُثيرت القضية فحسب، بل لماذا لا تُمنح نتيجتها القضائية الاهتمام نفسه الذي حظيت به بدايتها؟

ثالثًا: حين تصبح السمعة رهينة عنوان.. من يعيد الاعتبار إلى الحقيقة؟

في عصر المنصات الرقمية، قد ينتشر عنوان مثير في دقائق، بينما تظل تفاصيل الحكم القضائي بعيدة عن الجمهور الذي تابع الاتهام الأول.

وهنا تكمن خطورة التغطية الانتقائية: قد لا تتضمن المعلومة المنشورة كذبًا صريحًا، لكنها تصبح مضللة إذا ظلت متداولة بعد ظهور معلومات جوهرية تغير فهم القارئ للواقعة.

فالخبر عن الإحالة، إذا كان صحيحًا، يظل خبرًا عن إجراء قضائي. لكنه لا يجوز أن يُستخدم بديلًا عن الحكم، أو أن يُترك منفردًا ليصنع انطباعًا بالإدانة.

وإذا ثبتت البراءة، فإن مقتضيات المهنية تفرض نشرها بوضوح، وربطها بالقضية نفسها، وتصحيح أي صياغة سابقة أو إيحاء تجاوز حدود الوقائع الثابتة.

لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن تكرار الاتهام لا يحوله إلى حقيقة، وأن تجاهل نتيجة قضائية جوهرية، متى ثبت، يخل بتوازن الصورة المقدمة للرأي العام.

رابعًا: تجديد التكليف لا يحل محل الحكم.. لكنه واقعة يجب وضعها في سياقها

يتزامن الجدل حول الملف مع صدور قرار رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي رقم 892 لسنة 2026، الذي يتضمن تجديد تكليف الدكتورة إيناس النحاس بتسيير أعمال رئيس الإدارة المركزية للشؤون الإدارية والموارد البشرية حتى 30 أبريل 2027، على أن يعاد العرض بالتقييم.

ويمثل هذا القرار واقعة إدارية رسمية ينبغي إثباتها عند تناول وضعها الوظيفي.

غير أن الدقة تقتضي الفصل بين المسارات المختلفة: فتجديد التكليف يثبت استمرار التكليف خلال المدة المحددة في القرار، لكنه لا يُعد في ذاته حكمًا قضائيًا بالبراءة من قضية تأديبية، كما أن الإحالة إلى المحكمة لا تعني تلقائيًا فقدان الأهلية لشغل الوظيفة.

ولذلك، فإن قراءة الملف قراءة مهنية تقتضي وضع كل وثيقة في نطاقها الصحيح، وعدم استخدام أي منها لإثبات ما لا تقرره بذاتها.

والأهم أن يصدر التقييم النهائي لكل واقعة عن مستندها المختص: الحكم القضائي للقضية، والقرار الإداري للوضع الوظيفي، والنصوص القانونية لشروط شغل المنصب.

خامسًا: إلى المؤسسات الإعلامية.. العدالة لا تتجزأ في النشر

إذا كان خبر الإحالة يستحق النشر، فإن الحكم الصادر في القضية يستحق النشر كذلك.

وإذا كان الرأي العام قد دُعي إلى متابعة الاتهامات، فمن حقه أن يعرف ما انتهت إليه الإجراءات القضائية.

وإذا تضمنت التغطية السابقة معلومات أو إيحاءات تجاوزت حدود الإجراء القضائي إلى الإدانة، فإن التصحيح ليس تراجعًا عن العمل الصحفي، بل دليل على احترام الحقيقة.

إن الصحافة لا تؤدي رسالتها بمجرد كشف الاتهامات، وإنما باستكمال دورة الخبر: من الواقعة إلى التحقيق، ومن الإجراء إلى الحكم، ومن المعلومة الأولية إلى الحقيقة التي تثبتها الوثائق.

ولا يجوز أن تصبح السمعة المهنية ثمنًا لعنوان مثير، أو أن يتحول تداول الاتهام إلى عقوبة اجتماعية تستمر حتى بعد حسم القضاء للواقعة.

الخلاصة: السؤال الصادم ليس عن الإحالة.. بل عما نُشر بعدها

في ملف الدكتورة إيناس النحاس، تبرز ضرورة مراجعة ما جرى تداوله عن القضية على ضوء المستندات القضائية الكاملة، والتحقق من الحكم الذي تشير الصورة المرفقة إلى صدوره.

فإذا ثبتت البراءة، فإن واجب الإنصاف يقتضي إعلانها بوضوح، وتصحيح أي معلومات غير دقيقة، وعدم ترك الرأي العام أسيرًا لصورة صنعتها أخبار الإحالة وحدها.

ليس من العدالة أن تتحول الإحالة إلى عنوان دائم، بينما تُترك البراءة، إن ثبتت، في الهامش. وليس من المهنية أن نكتفي ببداية الحكاية ونتجاهل نهايتها.

إن الدكتورة إيناس النحاس، شأنها شأن أي مسؤول أو مواطن، لها الحق في ألا تُدان في الرأي العام قبل صدور حكم، ولها الحق في أن تُعرض النتيجة القضائية المتعلقة بها كما صدرت، دون تهوين أو تهويل.

وفي المقابل، فإن إثبات وجود حملة تشويه متعمدة، أو اتهام جهات بعينها بالتعتيم، يتطلب أدلة مستقلة لا يجوز استبدالها بالاستنتاجات.

والسؤال الذي نضعه أمام الرأي العام والمؤسسات الإعلامية واضح: إذا كانت البراءة قد صدرت بالفعل، فلماذا لا تكون هي عنوان التغطية اليوم، كما كانت الإحالة عنوانها بالأمس؟

الحقيقة لا تحتاج إلى حملة مضادة، بل إلى وثيقة صحيحة، ونقل أمين، وصحافة لا تكتفي بنصف الرواية.

السلطة الرابعة

صوت الشعب