كانت قريتنا بمدينة نجع حمادي ترقد على حافة ترعة ممتدة عشرات الكيلومترات، حفرت بالسخرة في زمن اسرة محمد علي وفي كل يوم خميس، علي جسر الترعه كان جزار القرية يذبح عجل جاموس صغيرًا نطلق عليه «بطش»، يشتري لحمه الأثرياء من أبناء قريتنا والقرى المجاورة. وإلى جواره، كانت يذبح جاموسة عجوز أو بقرة أنهكها العمر، يحتاج لحمها إلى نار نصف يوم حتى يصبح صالحًا للمضغ.
كان اللحم الطيب للأغنياء، أما الفقراء فلهم ما تيسّر، إن تيسّر. من الجاموسة العجوز
وكان هناك رجل يجلس على مقربة من دائرة الذبح يراقب حركة البيع، ويحصي أوزان اللحوم التي يشتريها الناس. لم يكن بحاجة إلى سؤال أحد عن أحواله؛ فوزن اللحم كان يكشف له ما لا تقوله الألسنة. يعرف مَن يشتري بالكيلو، ومَن يكتفي بنصفه، ومَن لا يقترب من الجزار أصلًا. كانت أعين الناس تفضح ما نحاول نحن الفقراء ستره.
كنا سبعة إخوة، أبونا عامل زراعي مسن، وأمنا تصنع مقاطف من خوص جريد النخل. وفي يوم من كل أسبوع، يأتي التاجر ليشتري ما صنعته يداها، فنحصل على القليل الذي نشتري به الشاي والسكر والدقيق من دكان القرية الوحيد.
أما اللحم، فكان له حكاية أخرى.
كنا نمشي ثلاثة كيلومترات إلى بهجورة، تلك القرية البعيدة التي كانت تبدو لنا كأنها مدينة صغيرة، لا يعرفنا فيها إلا قليلون. هناك، كنا نشتري نصف كيلو لحمة، ثم نعود به إلى قريتنا، مطمئنين إلى أن أحدًا لن يعرف مقدار ما اشتريناه.
لم يكن يهمنا حجم القطعة، ولا كيف ستُقسَّم بين الإخوة السبعة. كنا نلقيها في قدر الخضار، فتمنحها رائحة اللحم وطعمه، ونشعر أن لنا نصيبًا من حياة الآخرين. عندما يتقاعد من عشتنا دخان الكانون مخلوط بخار الخضار واللحم والتقليه
كنا فقراء، نعم، لكننا كنا نكابر. لم يكن يؤلمنا الجوع وحده، بل كان يؤلمنا أن يعرف الناس أننا جائعون. ولا ذنب لنا في هذا لذلك كنا نقطع ثلاثة كيلومترات لنشتري نصف كيلو لحمة من مكان لا يعرفنا فيه أحد، بدلًا من أن نقف أمام جزار قريتنا ونترك أعين المتطفلين تحصي ما نحمله في أيدينا.
وكان بيتنا عشة سقفها من جريد النخل؛ تحمينا من الشمس حين ترحمنا، وتترك المطر يتسلل إلينا حين يغضب الشتاء. ومع ذلك، كنا نسميها بيتًا، وكأننا نتمسك بالاسم حتى لا نعترف بما ينقصنا.
ثم بدأت أخبار السد العالي في أسوان تصل إلى قريتنا على ألسنة التجار والزائرين. كانوا يتحدثون عن مشروع ضخم يحتاج إلى عمال، وعن مكان بعيد قد يجد فيه المرء فرصة لحياة مختلفة.
شد أخي الأكبر الرحال إلى أسوان. بعد ان حصل علي تكاليف السفر قرضا من المرابية العجوز بقريتنا
لا أذكر كم غاب عنا؛ أكان عامًا أم أكثر؟ لكنني أذكر عودته كما لو أنها حدثت بالأمس. عاد يرتدي بنطلونًا وقميصًا، وقد تعلم القراءة والكتابة بعدما كان أميًّا. لم يعد كما ذهب؛ كان يحمل معه رزقًا، وفي عينيه أملًا لم نكن نعرفه من قبل.
هدم عشتنا، وأقام مكانها بيتًا من الطوب الأحمر.
وسقفا من الأسمنت المسلح
لم يكن البيت كبيرًا، لكنه كان بالنسبة إلينا قصرًا. صار لنا سقف يحمينا من المطر، وجدران تقف في وجه الريح. ولأول مرة، شعرت أن الفقر الذي أحاط بطفولتنا ليس قدرًا لا يتغير.
لكن أخي لم يكتفِ ببناء البيت. أصر على أن أدخل المدرسة، وألا أعيش أميًّا كما عاش هو قبل سفره. أراد لي طريقًا مختلفًا، وعرف أن المال الذي ينفقه على تعليمي قد يكون أثمن مما أنفقه على بناء البيت.
وفّر لي المريلة الكاكي، وحذاءً من الكاوتش ماركة «باتا». ذهبنا لشراء احتياجات المدرسة من البندر، نجع حمادي. وما زلت أذكر فرحتي بذلك الحذاء؛ لم يكن مجرد حذاء جديد في قدم طفل فقير، بل كان علامة على أنني أصبحت تلميذًا، وأن لي مكانًا في عالم كان يبدو بعيدًا عني.
كان أخي قد سافر بحثًا عن الرزق، لكنه عاد ليمنحنا أكثر من الطعام والكساء؛ منحنا بيتًا، وتعليمًا، وكرامة، وأملًا في مستقبل مختلف.
ولا انسي اول خميس بعد عودته ظل محفورًا في ذاكرتي.
ذهبت إلى جزار قريتنا.
وقفت أمامه وطلبت كيلوين كاملين من اللحم.
البطش طعام الأثرياء
كيلوين، دون أن أضطر إلى إخفاء وجهي أو أن أقطع الطريق إلى بهجورة. مددت يدي بالنقود، وانتظرت حتى وضع الجزار اللحم في الميزان، ثم حملته وانصرفت. وانا اقول بصوت مرتفع اتنين كيلو لم أكن أشتري اللحم وحده؛ كنت أستعيد شيئًا من طفولتي، وأتخلص من ذلك الخجل الذي لازمنا كلما احتجنا إلى إخفاء فقرنا.
وفي أحد الأيام، وانا اشتري اللحم وجّه إليّ رجل من أهل القرية كلامه ساخرًا:
— اتنين كيلو؟ ادعوا لعبد الناصر!
لم أنسَ عبارته.
ربما أراد أن يسخر مني، وربما أراد أن ينسب ما تغير في حياتنا إلى الحاكم وحده. لكنني كنت أعرف أن الحكاية أوسع من ذلك؛ فيها أخي الذي سافر إلى أسوان، وعمل وتعلم، ثم عاد ليبني البيت ويصرّ على دخولي المدرسة. وفيها مشروع السد العالي الذي فتح أمامه بابًا لم يكن متاحًا له في حياته الأولى.
لم أكن وقتها أفهم السياسة، ولا أعرف كيف تُقاس إنجازات الحكام أو أخطاؤهم. كنت طفلًا لا يعرف من الدنيا إلا أبًا أنهكه العمل، وأمًّا تتعب يداها في صناعة المقاطف، وعشة من جريد النخل، ونصف كيلو لحمة نشتريه بعيدًا عن أعين الناس.
كبرت، وتعلمت أن التاريخ لا يُختصر في صفحة واحدة، وأن لكل حاكم إنجازاته وأخطاءه. لكنني تعلمت أيضًا أن من حق الإنسان أن يحتفظ بذاكرته، وألا ينكر ما عاشه بنفسه إرضاءً لأحد أو خصومةً مع أحد.
أنا لا أروي حكاية عبد الناصر من كتاب، ولا أستعير شهادة من أحد. أروي حكاية أسرة فقيرة، وأخ خرج من قريته أميًّا وعاد متعلمًا، ثم أصرّ على أن يتعلم أخوه الأصغر، ويدخل الجامعه حكاية طفل كان يخشى أن يعرف الناس أنه يشتري نصف كيلو لحمة.
لم يكن الفرق بين نصف كيلو وكيلوين فرقًا في كمية الطعام وحدها؛ كان فرقًا بين الخوف من نظرات الناس والقدرة على مواجهتها، بين عشة من جريد النخل وبيت من الطوب الأحمر، وبين طفل محروم من أبسط الأشياء وطفل يرتدي زي المدرسة ويحمل كتابه إلى الفصل.
وكلما تذكرت الرجل الذي قال ساخرًا: «اتنين كيلو؟ ادعوا لعبد الناصر»، ابتسمت في سري.
فهو لم يكن يعرف أنني لم أكن أشتري اللحم وحده؛ كنت أستعيد ذكرى طفل أخفى فقره طويلًا، وأتذكر أخًا قرر ألا يترك أخاه أسيرًا للفقر والجهل.
هذه ليست حكاية لحم، ولا حكاية حاكم وحده؛ إنها حكاية الفقر حين يضيق بالإنسان، والفرصة حين تفتح له بابًا، والإرادة حين تحوّل ما يبدو مستحيلًا إلى حياة جديدة.حكاية حاكم فعل ولم يقف عند الوعد

صوت الشعب






