مقالات الرأي

الحياة اليومية كمجال سياسي: أنسنة السياسة ونقلها إلى الشارع

الحياة اليومية كمجال سياسي: أنسنة السياسة ونقلها إلى الشارع

حين تعتاد الصعود لأدراج المباني الحكومية التقليدية في صباحات أيام العمل المزدحمة، تدرك تدريجيًا أن السياسة ليست ذلك المفهوم التجريدي الذي يدور في صالونات الحوار المغلقة أو في قاعات المجالس النيابية، بل في طرقات المبنى المعتمة، وفي المساحة الضيقة المحاذية لشباك الخدمة، حين يتجمع عشرات المراهنين على قضاء مصالحهم اليومية، هناك تجد الرجل الذي يزن كلماته بدقة متناهية وهو يخاطب الموظف الجالس خلف الزجاج؛ يناديه بألقاب التفخيم والتبجيل، يُظهر امتنانه المسبق، ويبتسم ابتسامة هادئة جرى تدريبها بعناية لامتصاص الجمود الإداري، وعلى مسافة خطوات، يقف آخر يتبادل مع جاره في الطابور نظرة خاطفة وغمزة سريعة عقب صدرور قرار إداري مفاجئ بمنع الدخول، ليتبعها بتهكم ناعم يفكك صرامة الموقف من دون أن يورطه في مواجهة صريحة مع رجال الأمن المترصدين عند الباب.
إن مثل هذه المشاهد المألوفة تعيد رسم حدود السياسة بالكامل، وتخرجها من إطارها المؤسسي الضيق لتضعها في مجراها الإنساني المعيش؛ لفترة طويلة، ظل التحليل الاجتماعي والسياسي يتعامل مع الفرد العادي بوصفه متلقيًا سلبيًا للقرارات الفوقية أو هامشًا يقتصر دوره على التفرج على صراعات النخب وإجراءات الدولة، غير أن هذه الرؤية تتجاهل قيمة الحياة اليومية، في تفاصيلها القاسية والمستمرة، فهي الساحة الحقيقية التي تُخوض فيها التداولات اليومية للسلطة، والمواطن الذي يواجه معضلة الإدارة وشح الموارد لا ينتظر الخطابات البرلمانية ولا البيانات التلفزيونية ليحدد موقعه، بل يتخذ قراراته الميدانية وصيغ تعامله كل صباح عبر أدوات بسيطة في شكلها، لكنها شديدة الفعالية في أثرها.

في هذا الفضاء الشعبي المعقد، تكتسب الممارسات العادية أبعادًا حاسمة، فالصمت، على سبيل المثال، يتوقف عن كونه مجرد انصياع أو استسلام، ليتحول إلى تقنية حذرة لحماية الذات وإدارة المخاطر؛ إنه صمت مشحون بالترقب والوعي بموازين القوة، يُوظَف لتفادي التصادم المباشر مع الأجهزة الرسمية مع الاحتفاظ بالمسافة المعنوية كاملة عنها، وفي الوقت نفسه، تنطلق النكتة الساخرة في مواقف المواصلات وعلى أرصفة الشوارع لتعمل كأداة تشريح رمزية حادة، لأنها تلتقط السلوك الرسمي أو القرار الفوقي، تجرده من هيبته، وتحوله إلى مادة للتهكم الجماعي، مما يخلق شبكة من التفاهم الضمني والتضامن الخفي بين المُتعَبين من دون حاجة لتأطير حزبي أو تنظيمي.
عودًا على بدء؛ حين تنظر إلى الطوابير الطويلة الممتدة أمام منافذ البيع أو مكاتب المعاملات، ستجد أنها أكثر من مجرد انتظار مجرد للزمن، بل مسرح مصغر لتوزيع أدوار القوة ونشأة التكتيكات الاجتماعية، فداخل الطابور، يتفاوض الناس على المساحات والأولويات بأساليب شفاهية ولغة جسدية مرنة، بين من يستغل معارفه المحلية للتقدم بضعة خطوات، ومن يستحضر قيم "الشهامة" و"الجدعنة" لإفساح المجال لكبار السن، ومن يلجأ إلى المراوغة اللفظية لتجاوز تعقيد إداري معين، وهنا نجد أن كل حركة، وكل نبرة صوت تتأرجح بين الاستعطاف والمناورة، وكل إعادة تأويل شفهية للتعليمات الصارمة، تمثل مهارة حيوية واقتطاعًا ملموسًا لهامش الفعل والتأثير.
إن أنسنة السياسة ونقلها إلى تفاصيل اليومي تسمح بقراءة حيوية المجتمعات العربية بعيدًا عن القراءات السطحية التي تحصرها بين الانصياع المطبق أو التفجر العنيف، فالشارع العربي يعيش في حالة تفاوض وسياسة دائمة لا تتوقف؛ سياسة صامتة، غير مدونة في الكتب ولا تؤطرها اللوائح الرسمية، لكنها تحرك العيش، وتصون الكرامة، وتقتطع الحقوق الصغيرة يومًا بعد يوم، ومن خلال هذه العدسة، يتبدى اليومي ليس كصخب عابر، بل بوصفه النواة الصلبة التي تضمن استمرار المجتمع وقدرته على ابتكار أدوات بقائه في قلب أشد الظروف قسوة.

السلطة الرابعة

صوت الشعب