عقدت دار الخدمات النقابية والعمالية بالقاهرة، ندوة موسعة لمناقشة ورقة موقف بعنوان "حوادث نقل العمال.. حين تغيب منظومة الحماية"، وذلك في إطار فاعليات حملة "لقمة عيش تمنها حياة"، لتسليط الضوء على تفاقم ظاهرة حوادث نقل العمالة اليومية والزراعية والعمالة غير المنتظمة، وبحث سبُل تحديد المسؤوليات القانونية والتنفيذية للحد من نزيف الدماء المستمر على الطرق.
ناقشت الندوة خمسة محاور رئيسية، شملت كيفية توفير وسائل نقل آمنة للعمال، آليات تحديد المساءلة والمسؤولية عن منظومة النقل، وتفعيل أدوار الرقابة والتفتيش على مواقع العمل النائية، إلى جانب ظاهرة تشغيل الأطفال، وسبل الانتقال من ردود الأفعال الصورية عقب الحوادث إلى الوقاية والمحاسبة الرادعة.
شهد اللقاء حشدًا من حقوقيين، ونواب بمجلس النواب، ممثلين عن المجتمع المدني، إلى جانب استماع الحضور لشهادات حية ومؤثرة أدلى بها عدد من ضحايا حوادث الطرق والمزارع الصحراوية وأسرهم من محافظات الصعيد والقناة.
كمال عباس: نستهدف تحديد القصور والمسؤولية والحد من المسكنات
افتتح اللقاء كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، مشيرًا إلى أن الهدف من اللقاء هو الانتقال من دائرة التعاطف المؤقت والشجب الصوري إلى تحديد المساءلة والقصور الهيكلي الذي يتسبب في استمرار هذه الفواجع.
وأوضح عباس أن غياب الحماية والرقابة يُحَمِّل العامل اليومي الفقير كُلفة خطيرة تتجاوز سلامته البدنية لتطال قدرته على استمرار الحياة، لا سيما في ظل غياب الرعاية الصحية للمصابين. ولفت إلى حادثة أليمة أودت بحياة 12 عاملًا وعاملة، والتي تكررت حادثة شقيقة لها في نفس الموقع تحديدًا عقب فترة وجيزة من زيارة المسؤولين لموقع الحادث دون إحراز أي تغيير ملموس على الأرض. وأكد عباس فتح باب التعاون أمام كافة الأحزاب والسلطات التشريعية والنقابات المستقلة لتحويل الحملة إلى منصة تحرك شاملة.
أمل عبد الحميد: فجوة التطبيق التشريعي تُسقط حقوق العمال غير المنتظمين
من جانبها، أوضحت الدكتورة أمل عبد الحميد، منسقة البرامج بدار الخدمات النقابية، أن استمرار نزيف الطرق للعمال والأطفال لا يمكن التعاطي معه كـ "قَدَر محتوم"، مؤكدةً استمرار عقد الندوات وصياغة ملف شامل يوثق أعداد الضحايا والمصابين ومقارنتها بالأعوام السابقة للخروج بمطالب قائمة على الأثر لا البيانات المكررة.
وأشارت عبد الحميد إلى العوامل الهيكلية والأسباب الجذرية للتكرار، وعلى رأسها الفقر وغياب التمويل اللازم لإبقاء الأطفال بالمدارس، إضافة لاستغلال المقاولين وسماسرة العمالة لمركبات "نصف نقل" غير مصرح بركوب الأشخاص عليها، والسير بها على طرق متهالكة. وانتقدت الفجوة الواضحة بين الأطر القانونية وتطبيقها، مؤكدة أن قانون العمل الحالي يفتقر لمواد تصرح وتنظم حماية العمال أثناء وسائل الانتقال وتحدد اشتراطات السلامة المهنية، رغم أن قانون التأمينات الاجتماعية يعتد بإصابة الطريق كإصابة عمل رسمية. وطالبت بضرورة سد هذه الفجوة عبر تعديل تشريعي ملزم يوفر نقلًا آمنًا ورقابة جادة على مكاتب التفتيش والعمل.
فريدي البياضي: سنتقدم بتعديلات لقانون العمل لتحديد المسؤولية الجنائية والمالية لرجال الأعمال.
وفي كلمته، أكد الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أنه ينوي بالتعاون مع زملائه بالبرلمان تقديم تعديلات تشريعية عاجلة لقانون العمل، تضمن الإلزام القانوني لأصحاب الأعمال بتوفير نقل آمن، وتثبت حماية التأمين وتوفير التعويضات الفورية للمصابين دون إرهاقهم بطول الإجراءات.
وأشار البياضي إلى أن المشكلة تجاوزت القضايا المرورية والرقابية الشُّرَطية لتصل إلى عمق الملف الاقتصادي والاجتماعي، حيث تسبب ارتفاع معدلات الفقر المتفشي في اضطرار الأطفال دون سن 14 عامًا للأقدام على هذه المغامرة الخطيرة لتدبير قوت يومهم. وأضاف البياضي أنه يستمر في تقديم طلبات الإحاطة وطلبات البيانات للوزارات المعنية، مستنكراً غياب محاسبة المتسبب الأول ورجل الأعمال الذي يسمح بنقل العمال عبر وسائط خطرة دون مراعاة لأدنى أدوار السلامة المهنية.
محمد أنور السادات: التقرير المرتقب للقومي لحقوق الإنسان سيوثق الحوادث والمطالبة بالمحاسبة.
فيما شدد الأستاذ محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، على أهمية ألا تقتصر معالجة الدولة وتفاعلها مع الحوادث المتكررة على تقديم "التعويضات المالية الصرف"، مؤكدًا أن غياب الإدارة والمسؤولية والمحاسبة الحقيقية لن يُنتج أي جديد وسيبقي على نزيف الطرق.
وكشف السادات أن المجلس القومي لحقوق الإنسان بصدد إعداد تقرير ميداني شامل يعتمد على زيارات ميدانية لباحثي المجلس للوقوف على أسباب حوادث نقل العمالة، تمهيدًا لرفعه لرئاسة مجلس النواب والجهات التنفيذية. ولفت إلى توقيع مصر على العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية الخاصة بالعمل الآمن، مؤكداً أن المحك الحقيقي يكمن في تطبيق القانون ومحاسبة المتسببين، كما طالب وسائل الإعلام بالاضطلاع بدورها التوعوي والرقابي وتغطية قضايا العمال اليومية بعمق وفاعلية.
شهادات حية: شهداء "لقمة العيش" يروون تفاصيل الحياة غير الآدمية بالمزارع الصحراوية
وسجلت الندوة شهادات محزنة وميدانية لعدد من المصابين وأُسرهم القادمين من محافظات الصعيد والقناة:
شهادة من المنيا: تحدثت الفتاة "شهد" (17 عامًا) عن اضطرارها هي وأشقاؤها الأطفال للعمل في الفلاحة والمزارع لإعالة أسرتهم، بعد تعرض والدهم لإصابة عمل بالغة أقععدته عن الحركة ومثبت شرائح ومسامير جراحية.
فاطمة (عاملة): روت تفاصيل حادث سقوطها في حفرة عمقها 9 أمتار إبان عملها بإحدى المزارع على الطريق الصحراوي من الساعة الثالثة صباحًا حتى الثالثة عصراً، مؤكدة غياب أي رعاية طبية من صاحب العمل، فضلاً عن تعرض زميلاتها لبتر في الأعضاء وتضرر أطفالها صحيًا من المبيدات الحشرية.
محمد عطا ووُالدته (المنيا): أشارا إلى تعرض العمال لحوادث انقلاب على الطريق الصحراوي والبقاء بالمنزل لأشهر دون دعم أو سوال من أصحاب المزارع، مؤكدين أن ظروف العمل بالمزارع تنعدم فيها الحياة الآدمية، حيث تغيب المياه الصالحة للشرب والحمامات، إضافة لتكدس الأطفال في سيارات نقل البضائع مما يتسبب في إصابات وعاهات مستديمة.
توصيات ومقترحات للحراك العمالي والتشريعي
واختتمت الفاعلية بتقديم عدد من الحضور والمشاركين مقترحات عملية للتحرك خلال الفترة المقبلة، جاء أبرزها:
تفعيل الرقابة الشعبية والتسجيل: قيام العمال بالتبليغ الفوري لدار الخدمات عن سماسرة العمالة ونقلهم غير الآمن لإحالتها رسمياً لمكاتب العمل.
الرقابة على المحاور والمعديات: المطالبة بتأمين شامل ومشدد لـ 110 معدية نهرية على مستوى الجمهورية، وفرض نقط ارتكاز أمنية ومرورية على الطرق الخطرة (مثل طريق بورسعيد - المطرية) ومنع القيادة بدون رخص.
صندوق دعم ضحايا العمل: إطلاق المقترح الشعبي بتأسيس "صندوق لقمة العيش" على غرار الصناديق الاستثنائية لشهداء السرطة والجيش لدعم مصابي وشهداء العمل اليومي وغير المنتظم.
ربط ساعات العمل بالأجر: مطالبة البرلمان بتشريع يربط ساعات العمل الممتدة لأكثر من 12 ساعة يوميًا بأجور مجزية، وحظر تشغيل الأطفال تحت السن القانوني في الأعمال الشاقة.

صوت الشعب






