مقالات الرأي

عشتُ في اليمن.. الحرب من "عاصفة الحزم" إلى "فجر اليمن".. التفاوض هو الحل!

عشتُ في اليمن.. الحرب من "عاصفة الحزم" إلى "فجر اليمن".. التفاوض هو الحل!

بينما تشكَّل تحالفٌ إسلامي سُمّي إعلاميا بـ"تحالف مكة" انضمت له دولتان كبريان هما تركيا وباكستان، ويتردد انضمام أطراف غربية بدعم لوجستي، وبالتزامن شنت الحكومة المعترف بها في عدن ما سمّته حملة "فجر اليمن" في 5 أكتوبر بزعم تحرير مؤسسات الدولة والاتجاه نحو صنعاء وتحريرها من الانقلاب الحوثي.

وهذه من وجهة نظري أضغاث أحلام؛ فالأمر دونه جبالٌ وموانع.وارادات

معلمًا ومراسلًا لصحيفة عربية / لندنية، عشت في اليمن قرابة عشر سنوات، وتجولت بين جبالها وهضابها وسهولها، وألويتها – المحافظة كانت تسمى لواءً – ومديرياتها وقراها. جلست مع وزراء وسفراء ومشايخ ورؤساء أحزاب وشعراء ومثقفين وسياسيين – الشعب اليمني سياسي جداً ومجالس القات ندوات ثقافية وسياسية يومية - وقصدت دواوين ومجالس القات – دون تخزين – وأكلت العصيدة والشفوت وبنت الصحن والمرقة والسلتة واللحوح،- الشعب اليمني كريم حتى مع ضيق الحال - وحضرت أفراحهم وجنازاتهم. سمعت وشاهدت وغطيت أحداثًا كثيرة: مفاوضات الوحدة ومهرجاناتها، والانقضاض عليها.وابحرب على العراق وموقف اليمن العربي منها؛ والذي ادى لطرد اليمنيين من السعودية بعد ان كانوا كمواطنين بها ومن اكبر وتغنى تجارها

الحقيقة الأكبر كانت عروبة الشعب اليمني التي لا مثيل لها، وصبر اليمني وشجاعته ومقاومته وتحمله.وتسلحه من اصغر طفل تقدم له البندقية كهدية مولده لأكبر شيخ بالقبيلة، الجميع يقلدون بالسلاح كزينة، ولكن استخدامه له محاذير قبلية لا تقاوم

وبخصوص ما يدور الآن في اليمن، أعرف حقيقة واحدة لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا يتناولها المحللون السياسيون المتحذلقون في قناة الجزيرة وغيرها: الحرب في اليمن لا تُحسم من الجو، ولا من غرف العمليات المشتركة، ولا من زعماء الشرعية القاطنين في الرياض. طبيعة اليمن الجبلية هي الجيش الثالث والسلاح الأقوى والأهم في المعركة.

1. الجغرافيا هي القائد العام

اليمن ليس صحراء مفتوحة. من صعدة وحجة شمالًا إلى إب وتعز وصولًا إلى البيضاء والضالع، سلسلة جبال شاهقة بمتوسط ارتفاع 2000-3600 متر، وديان ضيقة، وطرق ترابية تنقطع بمجرد انهيار واحد. أي قوة تحاول التقدم تحتاج أسابيع لتأمين جبل واحد، لتجد نفسها محاصرة من عدة جبال أخرى.

عندما كنت أسافر من صنعاء إلى اللواء الأخضر إب، كانت السيارة تتأرجح بنا على سفوح الجبال حتى نصل إب أو تعز، ونستريح في مدينة إب رائعة الجمال بشقة استأجرتها مع زملاء، او مع أسرتي في معظم السنوات لننطلق بعدها بسيارة دفع رباعي إلى مديرية النادرة أو إلى قرية بيت القهمي او سطاح . كانت السيارة تظل في صعود مستمر لساعات حتى نظن بأن أرواحنا تتصعٌد في السماء، وبعد ساعات من الصعود نهبط منحدرين فتهبط قلوبنا. كان ذلك مع بدايات السفر، وبعد حين أصبحنا كاليمنيين.

أيام حرب صنعاء على عدن، أو حرب "علي عبد الله صالح "على "علي سالم البيض"، كان السلفيون والإخوان يحاربون مع صنعاء، وكان حزب الإصلاح الإخواني يتحالف مع حزب المؤتمر الشعبي العام ضد الحزب الاشتراكي اليمني. وتمكنت صنعاء من حسم الصراع ودخول عدن بمساعدة التيار الديني المدعوم من صالح، وبمساعدة مشايخ القبائل المدعومين بالمال والسلاح منه في 7 يوليو 1994، ولجوء قيادات الحزب الاشتراكي إلى سلطنة عمان
وكان لأتباع عبد المجيد الزنداني المنتشرين في المحافظات حول عدن الدور الأهم في محاربة من يسمونهم بالكفار الشيوعيين في الجنوب – كُتب الزنداني الدينية كانت تدرس رسميًا في اليمن الشمالي، أتذكر منها "الإعجاز العلمي للقرآن الكريم" وكنت أدرّس هذا الكتاب لطلابي وأفند مغالطاته. وكنت أُصدر صحيفة دورية كلها من إنتاج الطلاب اسمها "الشعلة"، وكان لدينا مدير مدرسة مثقف ومتفهم ومتعاون للغاية وهو من كبريات قبائل اليمن، وما زال صديقي ويزورني في مصر كلما جاء إليها، قادمًا من اليمن أو من الولايات المتحدة الأمريكية حيث أولاده
وبعض طلابي هاجروا إلى الولايات المتحدة ومنهم رجال أعمال وسفراء ويتواصل بعضهم معي.

ما نراه الآن مختلف تمامًا.

اليوم في أكتوبر 2026: قوس قتال واسع يمتد من باب المندب وغرب تعز (المخا، الوازعية، ذو باب) إلى الحديدة جنوبًا، ثم إلى مأرب والجوف والبيضاء والضالع. جبهات متباعدة جغرافيًا لكنها مرتبطة عملياتيًا، وكلها تدور في تضاريس جبلية وعرة تمنع التقدم السريع، وإن حصل لا يستطيع أحد الإمساك بما تحت قدميه. قد يستولي فريق على مواقع ولكنه يصعب عليه الاحتفاظ به لفترة.

الخريطة الحالية: لا أحد يتقدم، الكل يُستنزف

وحسب آخر تحديثات السيطرة:
سيطرة الحوثيين: صنعاء، صعدة، عمران، حجة، ذمار، وصولًا إلى أجزاء من الساحل الغربي والحديدة وحتى جزر في البحر الأحمر مثل ميون في باب المندب ومعظم ريف تعز – يسيطرون على الريف الشمالي والشرقي للواء تعز: الحوبان، التعزية، خدير، ماوية، وأجزاء من مقبنة والصلو – ويقطعون طريق تعز – عدن الرئيسي وقتما يريدون.( مساحة محافظة تعز تزيد عن ١٠ ألآف كيلو متر ويسيطر عليها الحوثيون كلها ما عدا المدينة التي تصل لـ ٤٣ كم ٢ بما يقل عن نصف بالمائة وتعز تعد المدينة رقم ٣ في ترتيب محافظات اليمن كافة بما فيها امانة العاصمة صنعاء من حيث عدد السكان :صنعاء – الحديدية- تعز

فالحوثيون يسيطرون مساحةً على ثلث مساحة اليمن، لكن هذا الثلث يضم كثافة سكانية تصل إلى 75% من السكان.

مناطق الحكومة المسماة بالشرعية في عدن: عدن، حضرموت، المهرة، شبوة، وأجزاء من الجوف ومأرب وبعض مدينة تعز.

مناطق الاشتباك النشط 2026: الجوف، مأرب، البيضاء، الضالع، تعز، الحديدة، وباب المندب. في تعز تحديدًا، توسع الحوثيون حوالي 72 كم² في نهاية سبتمبر الماضي، بينما استعادت القوات الحكومية جبل قرفان وسلسلة جرداد المشرفة على الوازعية وذو باب بحملتها الأخيرة، ولا أظنهم سيواصلون السيطرة أو يمتلكون القدرة عليها.

الخريطة لم تتغير جوهريًا منذ 2 أبريل 2022، عندما أعلنت الأمم المتحدة هدنة لمدة شهرين وتم تمديدها مرتين، وانتهت رسميًا بسبب عدم الاتفاق، ولكنها ظلت مستمرة واقعيًا حتى الشهر الماضي، لكن ما تغير هو تحولها لحرب استنزاف طويلة.

صلابة الحوثيين: عقيدة لا مجرد سلاح
الفروق المذهبية باليمن تكاد تكون متلاشية ولا تستطيع تمييز السني من الشيعي فالمذهب الشيعي الاكثر انتشاراً – بين الشيعة- هو الزيدي وهو معتدل غير الاثنى عشرية الإيرانية ،والزيديون ينتشرون في الشمال ومنهم ( الجارودية ) وهم أنصار الله الحوثيون بينما السليمانية والبترية هم الأكثر اعتدالا بين الزيدية
بينما المذهب السني المنتشر باليمن هو المذهب الشافعي وينتشر بالمحافظات الوسطى والجنوبية , لكنك لن ترى أشكالا حادة من الخلافات المذهبية وبعض القرى التي عشت بها كان بها الشيعة والسنة يصلون بمسجد واحد والخطيب واحد وكان الآذان الأكثر انتشارا هو الآذان الشيعي ، وهو لا يفرق عن الآذان السني إلا بإضافة ( حي على خير العمل ) بعد ( حي على الفلاح) ،ولكن الخلافات بين الحوثيين والإصلاح هو أقرب للخلاف السياسي منه للديني فالسلفيون يكفرون الزيديبن' وانا ببعض قرى اليمن تحاورت مع شباب من اتباع الاصلاح السلفي وفندت بشدة كتب الشيخ عبدالمجيد الزنداني وهو مُنظر وفقيه حزب الإصلاح ،ولكن حواراتهم كانت ودودة ومهذبة ،ربما لأنهم ينظرون بوقار كبير للمعلم المصري على خلاف حواراتي مع اصدقاء من الجماعات الإسلامية بمصر فقد كانت حوارات عنيفة وفيها تكفير وان كانوا في بلدنا اسيوط ينظرون إلي كأخ محتمل من باب ( اللهم انصر الجماعة بأحد الـ ... )
ما يجعل الحسم مستحيلًا ليس الجبل وحده. الحوثيون حركة جبلية بامتياز. نشأت في صعدة، تفهم لغة الكهف والممر الجبلي والتمويه. لديها قدرة على قطع طرق الإمداد، والاختفاء، والعودة. وحتى مع تفوق جوي للتحالف بأكثر من 100 طائرة في عملية "فجر اليمن"، لا يمكن للطيران أن يمسك بالأرض الجبلية. ومن السهل على الحوثيين الكمون في كهوف جبالهم ليخرجوا طائراتهم المسيرة وصواريخهم الباليستية ويطلقونها تجاه مواقع المملكة بمطاراتها وبنيتها التحتية النفطية.

الخلاصة التي رأيتها بعيني:

الحرب في اليمن لا يحسمها سلاح، بل يحسمها اتفاق. الجبال تمنع المنتصر من التقدم، وصلابة المقاتل المحلي تمنع المهزوم من الانهيار. ولهذا، بعد 10 سنوات من حرب و10 سنوات عشتها هناك، أقول: أي خطة تتحدث عن "تحرير صنعاء في أسابيع" هي خطة لم تمش يومًا في جبال مران أو عقبة القنذع.

وللتدليل على ما أقوله باستحالة حسم تحالف مكة للحرب:

أولًا: حرب السعودية والحلفاء (عاصفة الحزم) انتهت بلا حسم

لا يمكن فهم ما يدور اليوم دون الرجوع إلى 2015. تحالف تقوده السعودية مكون من عشر دول وضم رسميًا إلى جانب السعودية كلًا من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن والمغرب والسودان، وبقوة جوية هي الأحدث في المنطقة، شن حربًا شاملة لإخراج الحوثيين من صنعاء. بعد 7 سنوات من القصف والمعارك في مأرب والساحل والحديدة، كانت النتيجة: هدنة 2022 ووقف إطلاق نار فعلي. لا صنعاء سقطت، ولا الحوثي انتهى؛ بل وبعد الهدنة بسنة واحدة ازداد الحوثيون صلابة وشاركوا بفعالية لا مثيل لها كجبهة إسناد عربية وحيدة لغزة.

التضاريس التي رأيتها في: مران وحيدان هي نفسها التي كسرت كل هجوم. وهذا هو الدرس الأول: الجبل يهزم التحالف الجوي مهما بلغت قوته.

ثانيًا: حرب أمريكا والكيان الصهيوني على اليمن للحد من إسنادها لغزة.. وكيف صمد الحوثيون

مع حرب غزة 2023، دخل اليمن معادلة جديدة. الحوثيون فرضوا حصارًا على السفن المتجهة لإسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب إسنادًا لغزة، فردت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بحملة قصف مكثفة على صنعاء والحديدة وصعدة. الحملة استمرت شهرين في 2025، ورغم إسقاط الحوثيين لعدد من المسيرات الأمريكية وخسائر بمئات الملايين، صمدوا.

في 6 مايو 2025، أعلن الرئيس دونالد ترامب نفسه وقف الضربات على اليمن "بشكل فوري" نتيجة اتفاق وقف نار توسطت فيه عُمان.

وهذا يعطينا مؤشرًا واضحًا بأن تحالف مكة لن يحسم المعركة حتى مع انضمام تركيا وباكستان. وربما يكون أقصى ما يسعى إليه التحالف الجديد المدعوم قطعًا من ترامب والنتن ياهو هو فقط إزاحة الحوثيين عن باب المندب حتى لا تكون خسارة ترامب خسارتين من جراء حربه مع نتنياهو على إيران: غلق مضيقي هرمز وباب المندب.

التجربة تقول إن الحوثي يقاتل من الكهوف والجبال، ويمتلك ترسانة صواريخ وطائرات مسيرة، ويستطيع أن يصل بها لأي نقطة في السعودية خاصة بعد وصوله لكل نقاط الأراضي المحتلة.

استمرار الحرب ستعني أن أكبر المتضررين سيكون الشعبان؛ اليمني الذي ينزف دم ابنأؤه لاكثر من عقد من الزمان ويسرد وينزح ويحوع ويمرض و ستكون السعودية الخاسر اقتصاديًا وتنمويًا ، وستتضرر بنيتها التحتية والنفطية بشكل كبير، وستلجأ في النهاية للتفاوض مع الحوثيين، لأن الجغرافيا في اليمن أقوى من أي تحالف.

السلطة الرابعة

صوت الشعب