تتعرض المملكة العربية السعودية اليوم لاعتداء آثم وسافر يمسّ قلب سيادتها الوطنية ويطال أركان أمنها القومي.
إن قراءة هذا العدوان بخفّة أو بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع تُعدّ خطأً استراتيجياً فادحاً؛ فهذا الاعتداء ليس حدثاً عابراً ولا مناوشة على الهامش، بل هو حلقة خطيرة ومتقدمة في سلسلة استهداف منظم يروم دكّ بنيان الأمة العربية، وتفكيك منظومة أمنها الجماعي، واستنزاف مقدراتها الشاملة.
وهنا يجب أن تُقال الكلمة صريحة مدوية ودون مواربة: إن أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها هما خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه أو العبث به تحت أي ذريعة.
وإن مواجهة هذا التحدي المصيري لم يعد يناسبها الانكفاء خلف بيانات الإدانة الروتينية، أو التخفي وراء عبارات التضامن الشكلية التي استهلكت أغراضها، ولم تعد تُسمن ولا تُغني من جوع في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.
إن اللحظة الحرجة التي تمر بها المنطقة اليوم تستدعي استحضاراً شاملاً لـ "الوعي المصيري" فلقد آن الأوان ليدرك الجميع في العالم العربي قادة وحكاماً وشعوباً أن الحرائق المشتعلة لن تتوقف عند حدود دولة بعينها، وأن المخاطر الجسيمة التي تحيط بنا جميعاً قد بلغت مدى يفرض علينا التعالي الفوري فوق كل الخلافات البينية، مهما كبرت أو اشتدت.
إن الموقف الراهن يضع النظام الإقليمي العربي أمام خيارين لا ثالث لهما:
1. الحسم النهائي: تسوية الخلافات العربية - العربية بروح المساءلة والمسؤولية التاريخية.
2. التأجيل والتجميد: إرجاء كافة النزاعات الثانوية جانباً لصالح المعركة الوجودية الأكبر.
إن الانتقال الفوري من حالة السكون والانتظار إلى موقع الفعل العربي الحاسِم والعملي لم يعد مجرد خيار سياسي مُتاح أو تحسين هندسي للعلاقات، بل هو ضرورة تاريخية ملحة لإعادة بناء التضامن العربي على قواعد صلبة، تتأسس على المصالح العليا المشتركة والمفهوم الدقيق لمعادلة الأمن القومي الشامل.
ولا يمكن بناء موقف عربي حاسم دون ترجمة التوافق السياسي إلى أوراق ضغط حقيقية وأدوات ردع شاملة، تتجسد في الأبعاد التالية:
• البعد العسكري والأمني (الدفاع الجماعي):
◦ تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك: وتحويل النص التاريخي إلى آليات عمل ميدانية، وتشكيل غرفة عمليات ومتابعة أمنية عاجلة للتنسيق الاستخباري والعسكري لمواجهة التهديدات الوشيكة.
◦ تأمين الممرات البحرية والأمن الحيوي: حماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر، باب المندب، والخليج العربي، باعتبارها شرايين حيوية للأمن القومي العربي والأمن البحري العالمي، وعدم تركها عرضة لابتزاز القوى الإقليمية والميليشيات.
• البعد الاقتصادي والتنموي (سلاح المقدرات):
◦ استثمار الثقل الاقتصادي العربي: استخدام الورقة الاقتصادية وموقع العرب الاستراتيجي كقوة ضغط متكاملة في المحافل الدولية لإرغام الأطراف الإقليمية والدولية على احترام السيادة العربية.
◦ حماية أمن الطاقة وسلاسل الإمداد: التأكيد على أن استهداف المنشآت الاقتصادية والحيوية في السعودية ودول الخليج هو ضرب لاستقرار الاقتصاد العالمي ككل، مما يفرض على المجتمع الدولي مواقف أكثر جدية وحزماً.
• البعد الجيوسياسي (الاستقلالية الاستراتيجية):
◦ إنهاء الوصاية الخارجية: رفض محاولات تحويل المنطقة العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى العظمى أو القوى الإقليمية التوسعية.
◦ تجميع أوراق القوة: تحويل التشتت الحالي إلى كُتلة حرجة تمتلك زمام المبادرة وتفرض شروطها في رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.
ونحن اليوم نقف بدقة عند مفترق طرق حاسم؛ لحظة فارقة تخاطب كبرياء الأمة ووجودها:
• مسار الإرادة والسيادة: أن نتحمل جميعاً مسؤوليتنا التاريخية والأخلاقية في الدفاع عن أمننا القومي، ونقبض بأيدينا على مقاليد صياغة مستقبل منطقتنا دون وصاية.
• مسار العجز والاستسلام: أن نستسلم لواقع التشرذم، ونترك للقوى الإقليمية المتربصة واللاعبين الدوليين إعادة رسم خرائط أمتنا وتقرير مصائر شعوبنا وفق أهوائهم، وهو ما يرفضه ويستنكره كل عربي حر وشريف.
إن الخروج من أزمة الفعل الإقليمي يستوجب تحويل التضامن اللفظي إلى خطوات إجرائية شجاعة، تتجلى في مراحل متسلسلة للتحرك:
• المرحلة الأولى - الاجتماع الوزاري الطارئ بالرياض: عقد اجتماع فوري وعاجل لوزراء الخارجية العرب في عاصمة الصمود والقرار "الرياض"، لإعلان موقف موحد يبعث برسالة حازمة مفادها أن الاستهداف الواقع على السعودية ودول الخليج هو استهداف مباشر لكل عاصمة عربية.
• المرحلة الثانية - تأسيس "مجلس أمن عربي طارئ": تفعيل آلية عمل أمنية وعسكرية مشتركة لوضع استراتيجيات ردع حاسمة توقف حالة الفوضى والمغامرات الإقليمية المهددة للسيادة العربية.
• المرحلة الثالثة - القمة الاستثنائية للقادة: تمهيد التحرك الوزاري لقمة عربية طارئة على مستوى القادة لإقرار الاستراتيجية الشاملة وتفعيل أوراق الضغط السياسية والاقتصادية.
• المرحلة الرابعة - المقاربة الشمولية والأم مية: التحرك الجماعي لفرض الرؤية العربية لحل أزمات المشرق والمغرب العربي، وتأمين الممرات الحيوية، وحماية القضية الفلسطينية — قضيتنا المركزية التي تواجه اليوم أخطر محاولات التصفية والتهجير.
وخاتما: إننا لسنا أمام حدث عابر، بل أمام هجمة استراتيجية شاملة تستهدف تجريد الأمة من مقدراتها وسلبها إرادتها؛ ولذلك فهي لحظة قرار تاريخي لا لحظة انتظار أو تردد.
لتكن هذه الأزمة والنوازل التي تضرب الرياض وحياض الخليج والعالم العربي نقطة التحول الكبرى، والشرارة التي تعيد الروح للعمل العربي المشترك، وتستعيد زمام المبادرة الإقليمية والدولية.
إن العرب يمتلكون الإرادة والتاريخ والموقع والموارد؛ وما ينقصهم اليوم سوى القرار الجريء للذود عن حياض الوطن العربي وبناء غده المشرق.

صوت الشعب






