في مصر، هناك مسؤولون لم يحصلوا بعد على فرصة كافية للعمل، لكنهم حصلوا بالفعل على أحكام نهائية من البعض!
جولة ميدانية؟ شو إعلامي!
اجتماع لمناقشة المشكلات؟ كلام للاستهلاك!
قرارات جديدة؟ لن تصنع فارقًا!
ومحاولة للتحرك؟ سيقولون إن ما يحدث مجرد استعراض!
هذه هي ثقافة تكسير العظام؛ ثقافة لا تنتظر النتائج، ولا تمنح الفرصة، بل تبدأ بالحكم على النوايا قبل تقييم الأداء.
وفي الهيئة العامة للتأمين الصحي، حيث تتشابك الملفات الإدارية والطبية والمالية، وحيث ترتبط القرارات بصحة ملايين المنتفعين واحتياجاتهم اليومية، لا يجوز أن نطالب بالتغيير ثم نحاصر كل محاولة له بأحكام مسبقة.
الدكتور تامر عاطف مدكور، رئيس الهيئة الجديد، بدأ تحركات ميدانية واجتماعات لمناقشة ملفات تمس الخدمة مباشرة، من توافر الأدوية والمستلزمات، إلى جاهزية المستشفيات، وتقليص قوائم الانتظار، وتطوير الخدمات والتحول الرقمي. وهي خطوات تستحق المتابعة والتقييم، لا إصدار شهادة نجاح مسبقة، ولا حكمًا بالفشل قبل ظهور النتائج.
لكن الإنصاف لا يعني المجاملة، والدعم لا يعني التنازل عن حق الناس في المحاسبة.
فالجولات لا تُقاس بعدد الصور، وإنما بما تكشفه من مشكلات. والاجتماعات لا تُقاس بعدد الحاضرين، وإنما بما تنتجه من قرارات قابلة للتنفيذ. والتوجيهات لا تكتسب قيمتها من قوة صياغتها، بل من قدرتها على تغيير واقع المريض داخل العيادة والمستشفى.
نريد أن نرى أثر القرارات في توافر الدواء، وانخفاض فترات الانتظار، وانتظام الخدمة، وسرعة حل شكاوى المنتفعين، وتحسين ظروف العاملين.
لا نريد تلميعًا للمسؤول، ولا تصيدًا لأخطائه، ولا معارك شخصية تُهدر الوقت والجهد؛ نريد رقابة مهنية عادلة، ونقدًا يستند إلى الوقائع، ومحاسبة تقيس ما تحقق وما تعطل، وما تغير وما ظل على حاله.
امنحوا المسؤول فرصة للعمل، لكن لا تمنحوه حصانة من السؤال.
فالإصلاح لا يولد من التصفيق، كما لا يولد من الهدم المسبق. إنه يحتاج إلى مسؤول يعمل، ومؤسسة تستجيب، وإعلام يراقب، ومواطن يرى أثر التغيير في حياته.
أما أن نحكم على كل مسؤول جديد بأنه لن يقدم شيئًا، ثم نتعامل مع كل تحرك باعتباره شوًّا إعلاميًا، فذلك ليس نقدًا موضوعيًا، بل مصادرة على المستقبل قبل أن يبدأ.
في التأمين الصحي، لا يهمنا من ينتصر في معركة الكلام؛ ما يهمنا أن ينتصر المريض في معركة الحصول على العلاج.

صوت الشعب






