مقالات الرأي

نِظَامُ الطَّيِّبَاتِ الوَهْمُ الَّذِي يَحْصُدُ الأَرْوَاحَ: صَرْخَةُ تَحْذِيرٍ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ

نِظَامُ الطَّيِّبَاتِ الوَهْمُ الَّذِي يَحْصُدُ الأَرْوَاحَ: صَرْخَةُ تَحْذِيرٍ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ
الدكتور/ حماده السيد علي، الباحث في الشؤون السياسية.
تَشْهَدُ المُسْتَشْفَيَاتِ الطِّبِّيَّةِ فِي مِصْرَ وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ كَارِثَةً صِحِّيَّةً مَكْتُومَةً، بَطَلُهَا الأَوَّلُ ضَلَالٌ تَقَنَّعَ بِرِدَاءِ الطِّبِّ تَحْتَ مُسَمَّى «نِظَامِ الطَّيِّبَاتِ». إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِمْيَةٍ غِذَائِيَّةٍ خَاطِئَةٍ، بَلْ هِيَ جَائِحَةٌ فِكْرِيَّةٌ عَمْيَاءُ تَسْتَهْدِفُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ مِلْيُونَ مَرِيضٍ بِالأَمْرَاضِ المُزْمِنَةِ، دَفَعَتْ بِالبُسَطَاءِ دَفْعاً إِلَى مَقَابِرِهِمْ؛ بَعْدَ أَنْ أَقْنَعَهُمْ عَرَّابُ هَذَا النِّظَامِ (قَبْلَ رَحِيلِهِ) بِأَنَّ الطِّبَّ الحَدِيثَ لَيْسَ إِلَّا مُؤَامَرَةً غَرْبِيَّةً. وَالغَرِيبُ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى السُّخْرِيَّةِ السَّوْدَاءِ، أَنَّ مَنْ حَرَّمَ الأَدْوِيَةَ المُنْقِذَةَ لِلْحَيَاةِ بِدَعْوَى المَكِيدَةِ، كَانَ يَحُضُّ أَتْبَاعَهُ عَلَى تَنَاوُلِ مُنْتَجَاتٍ لِشَرِكَاتٍ غَرْبِيَّةٍ عِمْلَاقَةٍ مِثْلَ (الفِيَاجْرَا وَالنُّوتِيلَا) لَكِنَّ المَأْسَاةَ الكُبْرَى لَا تَكْمُنُ فِيمَا سَلَبَهُ هَذَا النِّظَامُ مِنْ أَمْوَالٍ، بَلْ فِي جَرِيمَتِهِ النَّكْرَاءِ: (الحَضُّ عَلَى وَقْفِ العِلَاجِ وَتَجْرِيمِ الدَّوَاءِ)، مِمَّا دَفَعَ بِبُسَطَاءِ الإِدْرَاكِ إِلَى المَوْتِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُم يَسِيرُونَ نَحْوَ النَّجَاةِ. يَرْوِي لِي أَحَدُ الأَطِبَّاءِ الثِّقَاتِ مَوْقِفًا صَادِمًا يَكْشِفُ حَجْمَ الفَاجِعَةِ؛ يَقُولُ: «جَاءَ إِلَى المُسْتَشْفَى مَرِيضٌ يَعَانِي مِنْ ضَعْفٍ شَدِيدٍ فِي الرُّؤْيَةِ، وَصُدَاعٍ فَتَّاكٍ كَادَ يَقْسِمُ رَأْسَهُ. فَسَأَلْتُهُ عَنْ سِيرَتِهِ المَرَضِيَّةِ، فَقَالَ: أَنَا مَرِيضٌ بِالضَّغْطِ وَالسُّكَّرِ. وَعِنْدَمَا سَأَلْتُهُ عَنِ الأَدْوِيَةِ، صُدِمْتُ بِإِجَابَتِهِ: لَقَدْ أَوْقَفْتُ العِلَاجَ مُنْذُ شَهْرٍ كَامِلٍ، وَأَسِيرُ عَلَى نِظَامِ الطَّيِّبَاتِ» بَعْدَ إِجْرَاءِ الفُحُوصَاتِ العَاجِلَةِ، كَانَتِ النَّتَائِجُ مَفْزِعَةً: • مُسْتَوَى السُّكَّرِ: تَجَاوَزَ الـ 600 (فَوْقَ قُدْرَةِ الجِهَازِ عَلَى القِيَاسِ). • ضَغْطُ الدَّمِ: ارْتِفَاعٌ كَارِثِيٌّ وَصَلَ إِلَى 220/130. • وَظَائِفُ الكُلَى: ارْتِفَاعٌ حَادٌّ يُنْذِرُ بِفَشَلٍ كُلْوِيٍّ وَشِيكٍ. وَالعَجِيبُ أَنَّ المَرِيضَ كَانَ يَقُولُ بِبَرَاءَةٍ تَقْتُلُ صَاحِبَهَا: «كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّ صِحَّتِي مُمْتَازَةٌ مُنْذُ أَوْقَفْتُ الدَّوَاءَ، وَلَكِنَّ هَذَا الصُّدَاعَ فَقَطْ هُوَ مَا دَفَعَنِي لِلْمَجِيءِ». فَقُلْتُ لَهُ مُتَهَكِّمًا مِنْ حَجْمِ الجَهْلِ: «كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ المَوْتِ سَاعَاتٌ قَلِيلَةٌ، وَكُنْتَ سَتَذْهَبُ لِتَسْأَلَ صَاحِبَ نِظَامِ الطَّيِّبَاتِ بِنَفْسِكَ فِي الآخِرَةِ عَمَّا فَعَلْتَهُ بِجَسَدِكَ». فِي هَذِهِ الحَالَةِ، تَمَّ تَدَارُكُ الأَمْرِ بِفَضْلِ اللهِ، وَخَرَجَ المَرِيضُ بَعْدَ تَحْذِيرِهِ الشَّدِيدِ، وَلَكِنْ.. كَمْ مَرِيضٍ آخَرَ لَنْ تُسْعِفَهُ الأَقْدَارُ؟ إنَّ أَقْسَامَ الطَّوَارِئِ تَسْتَقْبِلُ يَوْمِيًّا أَعْدَادًا هَائِلَةً، فِيمَا تَقْبَعُ آلَافُ الحَالَاتِ الحَرِجَةِ فِي المَنَازِلِ، تَرْفُضُ عَائِلَاتُهَا الإِعْلَانَ عَنْهَا خَوْفاً مِنَ المُسَاءَلَةِ أَوْ شُعُوراً بِالخِزْيِ. وَفِي الْوَاقِعِ إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ مُسْتَفِيدِينَ مِنْ هَذِهِ "الظَّاهِرَةِ الْعِوَضِيَّةِ" هُمْ مَافْيَا شَرِكَاتِ الْأَدْوِيَةِ، وَالْأَطِبَّاءُ الْجَرَّاحُونَ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ جُيُوبٍ أَنْفِيَّةٍ أَوْ غَازَاتٍ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى جَلَطَاتٍ، وَنَزِيفٍ فِي الْمُخِّ، وَعَمًى جَرَّاءَ نَزِيفِ قَاعِ الْعَيْنِ، وَفَشَلٍ كُلْوِيٍّ يَقْضِمُ الْأَجْسَادَ قَضْمًا. لَقَدْ أَصْبَحَ كُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنْ مَصْدَرٍ عِلْمِيٍّ يُقَابَلُ بِالتَّخْوِينِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَصَائِحَ بَسِيطَةً مِنْ وِزَارَةِ الصِّحَّةِ أَوْ أَقْطَابِ الطِّبِّ المِصْرِيِّ. وَفِي المُقَابِلِ، تُسْتَقْبَلُ الخُرَافَةُ بِدِفَاعٍ مُسْتَمِيتٍ. فَمَا الَّذِي دَفَعَ النَّاسَ إِلَى هَذَا الِانْتِحَارِ المَعْرِفِيِّ؟ • أَزْمَةُ الثِّقَةِ المَفْقُودَةِ: الرَّفْضُ التِّلْقَائِيُّ لِكُلِّ مَا هُوَ رَسْمِيٌّ حَتَّى لَوْ كَانَ طَوْقَ نَجَاةٍ. • شَهْوَةُ التَّمَرُّدِ: الوَهْمُ بِأَنَّ خَرْقَ المَأْلُوفِ يَجْعَلُ المَرْءَ أَعْلَمَ مِنَ المُتَخَصِّصِينَ. • أُمِّيَّةُ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ: غِيَابُ الوَعْيِ الَّذِي اسْتَغَلَّهُ فَوْجٌ مِنَ الأَفَّاكِينَ الدَّجَّالِينَ لِيَنْصِبُوا أَنْفُسَهُمْ خُبَرَاءَ فِي الطِّبِّ البَدِيلِ وَمَا وَرَاءِ الطَّبِيعَةِ، فَيَبِيعُونَ الوَهْمَ عَلَى حِسَابِ جَمَاجِمِ البُسَطَاءِ. فِي الظُّرُوفِ العَادِيَّةِ، أَنْتَ حُرٌّ أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّ الأَرْضَ مُسَطَّحَةٌ؛ فَلَنْ تَضُرَّ أَحَدًا. لَكِنْ عِنْدَمَا يَقْتَنِعُ مَرِيضُ سُكَّرٍ مِنَ النَّوْعِ الأَوَّلِ بِإِيقَافِ الإِنْسُولِينِ لِيَتَنَاوَلَ الكُنَافَةَ وَالنُّوتِيلَا، فَهَذَا لَيْسَ رَأْيًا، بَلْ هُوَ جَرِيمَةُ قَتْلٍ عَمْدٍ تُهَدِّدُ كِيَانَ المُجْتَمَعِ وَمِنَ الوَاجِبِ عَلَى كُلِّ ذِي رَأْيٍ التَّوْعِيَةُ بِمَخَاطِرِ هَذَا الأَمْرِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُلْقِيَ بِنَفْسِهِ فِي التَّهْلُكَةِ بَعْدَ كُلِّ هَذَا التَّحْذِيرِ فَلْيَتَحَمَّلْ مَصِيرَهُ. وَعَلَى أَيِّ حَالٍ نِظَامُ الطَّيِّبَاتِ هُوَ تِرِينْدٌ وَسَيَزُولُ كَمَا زَالَ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَدِيمًا: «إِنَّ هَذِهِ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ عَرَفَهَا كُلُّ عَالِمٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَرَفَهَا كُلُّ جَاهِلٍ». وبِنَاءً عَلَيْهِ، نُطَالِبُ الدَّوْلَةَ بِـ: ● تَجْرِيمِ الدَّعْوَةِ لِإِيقَافِ الْأَدْوِيَةِ عَبْرَ السُّوشِيَال مِيدْيَا وَاعْتِبَارِهَا شُرُوعًا فِي قَتْلٍ عَمْدٍ. ● إِطْلَاقِ حَمْلَاتٍ تَوْعَوِيَّةٍ حَاسِمَةٍ لِتَفْنِيدِ هَذَا الدَّجَلِ. فَاحْذَرُوا نِظَامَ الطَّيِّبَاتِ؛ فَإِنَّهُ ضَلَالٌ مُبِينٌ، وَصِحَّتُكُمْ لَيْسَتْ حَقْلًا لِتَجَارِبِ الْمَجَاذِيبِ.
السلطة الرابعة

صوت الشعب