"حين تنتهي مهمة السفير.. لا تنتهي بالضرورة الحكاية"
السفراء يغادرون البلاد، لكن بعضهم يترك وراءه ما هو أبقى من المنصب؛ يترك محبة وصداقات وذكريات، ويترك صورة وطنه في قلوب من عرفوه. وبعد ثماني سنوات من الحضور والعمل والاقتراب من مصر وأهلها، كان وداع سفير فنزويلا في القاهرة أقرب إلى وداع صديق عزيز، منه إلى انتهاء مهمة دبلوماسية.
في أجواء امتزجت فيها كلمات الوداع بدموع الفراق، والذكريات بالهدايا التذكارية، أقيم حفل وداع سفير فنزويلا لدى مصر بمناسبة انتهاء مهمته الدبلوماسية بعد ثماني سنوات قضاها في القاهرة.
ثماني سنوات ليست فترة قصيرة في حياة إنسان، وخاصة حين يعيشها بعيدًا عن وطنه، في بلد آخر وبين شعب آخر، فيصبح مع مرور الوقت جزءًا من تفاصيل المكان، ويصبح المكان بدوره جزءًا من ذاكرته. ولهذا لم يكن الوداع هذه المرة مجرد مراسم تنتهي بانتهاء الحفل، بل كان لحظة إنسانية تختصر سنوات من العلاقات والصداقات والمواقف واللقاءات؛ رحلة إنسانية وسياسية وثقافية تركت أثرًا واضحًا في نفوس كل من عرف السفير واقترب منه.
وكان لافتًا أن الحاضرين في حفل الوداع لم يكونوا مجرد شخصيات جاءت لتؤدي واجبًا بروتوكوليًا؛ فقد شارك في الحفل عدد من أبناء القوى الوطنية، وأعضاء الأحزاب والقوى السياسية، والشخصيات العامة، والنواب، وممثلون عن الصحافة والإعلام، إلى جانب أصدقاء فنزويلا في مصر. كان بينهم من عرفه سياسيًا، ومن عرفه ثقافيًا، ومن جمعته به قضايا التضامن، ومن تحولت العلاقة معه بمرور السنوات من علاقة رسمية إلى صداقة إنسانية حقيقية.
ولذلك جاءت الكلمات مختلفة.. لم تكن كلمات بروتوكولية عابرة، وإنما كانت محملة بالامتنان والمودة، وكأن الجميع كان يحاول أن يقول له إن السنوات الثماني لم تمر دون أن تترك أثرًا.
دموع تقول ما لا تستطيع قوله الكلمات
ولعل أكثر ما عبّر عن خصوصية اللحظة كانت دموع الوداع، والتي لم تكن من جانب واحد؛ فقد كان التأثر واضحًا على السفير نفسه، كما غلبت الدموع عيون عدد من الحاضرين الذين اعتادوا لقاءه ومشاركته سنوات طويلة من العمل والفعاليات.
كان مشهدًا إنسانيًا يقول — دون حاجة إلى كثير من الكلمات — إن السنوات الثماني صنعت شيئًا أكبر من العلاقة بين سفير وأشخاص يلتقيهم بحكم منصبه؛ صنعت صداقة، ومودة، وذكريات. فالدموع في لحظات الوداع لا تأتي عادة بسبب انتهاء وظيفة، وإنما بسبب فقدان حضور إنساني اعتدناه وأصبح جزءًا من حياتنا.
> لم يكن الناس يبكون لأن سفيرًا سيغادر مكتبه، وإنما لأن إنسانًا عرفوه وأحبوه سيغادر المكان.
>
الهدايا التذكارية.. أشياء صغيرة تحمل ذاكرة كبيرة
تحولت الهدايا التذكارية التي قُدمت له في حفل الوداع إلى رموز تحمل معاني المحبة والتقدير؛ فكل هدية كانت تختصر جانبًا من رحلة طويلة عاشها في مصر، وكل تذكار كان يحمل وراءه مناسبة أو لقاءً أو شخصًا أو ذكرى. وكأن كل من قدم هدية كان يريد أن يقول له: "خذ معك شيئًا منّا، كما تركت لنا شيئًا منك".
فحين يعيش الإنسان ثماني سنوات في بلد، لا تكون ذكرياته مجموعة من الصور الرسمية؛ إنها وجوه يعرفها، وأماكن زارها، وشوارع مر بها، ومناسبات شارك فيها، وطعام تذوقه، وأصدقاء تركوا مكانًا في قلبه. ولهذا بدت الهدايا محاولة للاحتفاظ بجزء ملموس من سنوات لن تعود، لكنها ستبقى حية في الذاكرة.
سفير لم يكتفِ بمصر الرسمية
على مدى ثماني سنوات، كان السفير ويلمر بريانتوس شعلة من النشاط والحضور، مشاركًا في العديد من المناسبات والفعاليات المصرية السياسية والثقافية والاجتماعية، وحريصًا على التعرف إلى مصر من الداخل، لا من خلال اللقاءات الرسمية وحدها.
لم يكتفِ بمعرفة مصر من مكاتبها الرسمية أو من قاعات المؤتمرات، ولم يكن يريد أن يعرف فقط المسؤولين والشخصيات الرسمية، بل أراد أن يعرف "المجتمع نفسه"؛ أن يلتقي بالناس، وأن يسمعهم، وأن يرى حياتهم، وأن يعرف ما يشغلهم وما يحلمون به. ولهذا حرص على زيارة أماكن مختلفة في مصر، من أقصاها إلى أقصاها، والاقتراب من تفاصيل المجتمع المصري.
تعرّف إلى المصريين.. حتى في تفاصيل حياتهم:
* تعرّف إلى عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم وأعيادهم ومناسباتهم.
* شاركهم أفراحهم، واقترب من لحظاتهم الاجتماعية والثقافية.
* تعرّف إلى تفاصيل المطبخ المصري وأكلاته.
وربما تبدو هذه التفاصيل بسيطة إذا نظرنا إليها من زاوية العمل الدبلوماسي، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع ذاكرة الإنسان عن المكان؛ فقد لا يتذكر المرء بعد سنوات طويلة عدد الاجتماعات التي حضرها، لكنه يتذكر الوجوه التي جلس معها، والمكان الذي ضحك فيه، والمناسبة التي شعر فيها أنه أصبح واحدًا من الناس.
> "لم تعد مصر بالنسبة إليه مجرد مقر للسفارة، وإنما أصبحت بلدًا له فيه ذكريات وصداقات ومشاعر."
>
لكنه لم يأتِ فقط ليعرف مصر.. بل ليُعرّف بفنزويلا
إذا كان بريانتوس قد بذل جهدًا كبيرًا في التعرف إلى مصر، فإنه في المقابل حمل معه طوال سنوات وجوده فيها مهمة أخرى لا تقل أهمية: أن يُعرّف المصريين بفنزويلا.
وهنا كانت فنزويلا حاضرة دائمًا؛ كان يتحدث عن بلاده بشغف واضح، وباعتزاز لا يخفى، وكأن الحديث عن الوطن بالنسبة إليه لم يكن مجرد حديث عن دولة يمثلها، وإنما حديث عن جزء أصيل من شخصيته وذاكرته وهويته.
حدثنا عن تاريخ فنزويلا، وثقافتها، وشعبها، ونضالاتها، ورموزها: وعلى رأسهم سيمون بوليفار "المحرر ووالد الأمة"، وهوجو تشافيز الوطني الاشتراكي العظيم وزميل كفاحه في النضال والسجن ثم في الحكم، وعن تجربة فنزويلا السياسية والإنسانية، والتحديات التي واجهتها وما زالت تواجهها.
> أحببنا فنزويلا لأننا رأينا مقدار حب "ويلمر" لها، وأحببنا شعبها لأننا لمسنا مقدار اعتزازه به.
>
قبل أن نلتقي به، كانت فنزويلا بالنسبة إلى الكثيرين بلدًا بعيدًا في أمريكا اللاتينية، اسمًا على الخريطة ودولة نعرف عنها بعض الأخبار، لكن "ويلمر" جعل لها وجهًا وصوتًا وقصة. والأهم أننا عرفناها من خلال إنسان يحبها بصدق، وحين يكون الوطن حاضرًا في وجدان الإنسان بهذه القوة، فإن هذا الحب ينتقل تلقائيًا إلى من حوله.
من التعارف الثقافي إلى العمل المشترك والتضامن
لم تتوقف العلاقة عند حدود التعارف الثقافي أو الدبلوماسي، بل امتدت مع مرور السنوات إلى مساحات أوسع من العمل المشترك والتضامن الشعبي والسياسي:
* القضايا الوطنية والمواقف المشتركة: شارك السفير مع أعضاء جماعات التضامن في العديد من الحملات والأنشطة، وجمعتهم مواقف مشتركة في الدفاع عن استقلال الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض التدخلات والهيمنة.
* القضية الفلسطينية: كانت فلسطين قضية مركزية جمعت القلوب؛ حيث كان السفير حاضرًا في مواقفه وفعالياته مؤكدًا دعم فنزويلا الثابت لحقوق الشعب الفلسطيني وحقه في الحرية، وواجدًا في المواقف المصرية تجاه فلسطين مساحة طبيعية للحوار والتضامن.
* منافضة الإمبريالية والفاشية: شارك في المبادرات المناهضة للإمبريالية، والحملات التضامنية مع فنزويلا، ومنها الحملة الدولية "أعيدوهما للوطن" (Bring Them Back) التي شارك في تأسيسها في مصر للمطالبة بالإفراج عن الرئيس المختطف مادورو وزوجته.
الحاضرون.. شهادة على ثماني سنوات
قائمة الحاضرين في حفل الوداع كانت تحمل معنى خاصًا؛ فقد ضم المجمع: أبناء القوى الوطنية، أعضاء الأحزاب والقوى السياسية، شخصيات عامة، نوابًا، طلاب جامعات، وممثلين عن الصحافة والإعلام.
لم يجتمع كل هؤلاء فقط لأن هناك سفيرًا سيغادر، بل اجتمعوا لأن هناك إنسانًا سيغادر، وهذا هو الفرق الكبير. هذا الحضور المتنوع كان بمثابة شهادة حية على اتساع الدائرة التي استطاع السفير أن يبنيها وقدرته على التواصل مع مختلف الأطياف.
الدبلوماسية الحقيقية ليست مجرد اتفاقيات
تظهر قيمة ما فعله "ويلمر" في أن الدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع أو المؤتمرات التي تُعقد، بل بـ "دبلوماسية الإنسان"؛ أن تجعل الناس يحبون بلدك، وأن تعرف بلدهم وتحبه، وتشاركهم مناسباتهم، وتستمع إلى قضاياهم، وتكون حاضرًا بينهم لا فوقهم.
مصر التي أخذها معه.. وفنزويلا التي تركها لنا:
حين يغادر "ويلمر" القاهرة، سيحمل معه وجوه أصدقاء، وذكريات أماكن، وأحاديث الشوارع المصرية، وشيئًا من مصر التي أحبها. وفي المقابل، سيبقى لنا شيء من فنزويلا التي حملها إلينا؛ تاريخها، وثقافتها، وشعبها، وقضيتها. وهكذا أصبح السفير جسرًا حقيقيًا بين شعبين.
الرحيل لا يمحو ما صنعته السنوات
سيعود السفير إلى وطنه ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته، لكن الفصل المصري لن يُغلق؛ سيبقى مفتوحًا في ذاكرته، كما ستلقى صورته حية في ذاكرة أصدقائه المصريين.
لقد جاء "ويلمر" إلى مصر سفيرًا لفنزويلا، لكنه خلال ثماني سنوات أصبح أكثر من ذلك؛ عرف مصر وأهلها واقترب من مجتمعها.
> فالسفير الذي يترك خلفه أصدقاء، لا يكون قد غادر خالي الوفاض، حتى لو غادر بلاده المضيفة.
>
جاء أبناء القوى الوطنية المصرية ليقولوا له: "شكرًا على السنوات التي كنت فيها بيننا، وشكرًا لأنك جعلتنا نعرف بلدك ونحبه."
قد تبدأ الدبلوماسية من مكتب، لكنها حين تنجح تصل إلى القلب.. غادر "ويلمر" منصبه وغادر مصر، لكنه لم يغادر قلوبنا، فبعض الأشخاص لا يغادرون عندما يرحلون؛ يبقى صوتهم في الذاكرة، ومواقفهم في الوجدان، وصداقتهم في القلب.

صوت الشعب






