قف لبرهة عند زاوية شارع جانبي في أحد الأحياء الشعبية القديمة، وأسند ظهرك إلى جدار بناية عتيقة متآكلة الطلاء؛ إن لمست ملمس الخرسانة بيدك وتأملت تفاصيل السطح الممتد أمامك، ستدرك أنك لا تقف أمام مجرد ساتر يمنحك إياه، بل أمام صفحة مفتوحة من كتاب ضخم لم يُطبع في المطابع الرسمية، فهنا، على هذا الجدار نفسه، تتزاحم طبقات من التاريخ المعاش؛ بقايا ملصق انتخابي باهت يعود لسنوات مضت تغطيه عبارة سريعة كُتبت بخط يدوي عفوي يبشر بحدث أو أمنية، وتجاورها إعلانات صغيرة لخدمات تصليح الآلات، وشعار نادٍ كروي رُسم بخاخ أسود، وإلى الجوار عبارة تحذيرية حاسمة تمنع إلقاء القمامة باستدعاء قسم أخلاقي صارم.
هذا المشهد البسيط هو المدخل الحقيقي لقراءة الشارع بوصفه أرشيفًا اجتماعيًا حيًا ومستمرًا، وإذا كانت أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية تحفظ تاريخها في أوراق موثقة، وأرشيفات مغلقة، ومبانٍ بيروقراطية تحرسها القوانين، فإن المجتمع في الأحياء والحارات والزوايا والقرى، لا يحتاج إلى هذه الأوراق ليدون ذاكرته، بل إنه يحفر تاريخه وتفاعلاته اليومية مباشرة على جسد المدينة، محولًا الأبنية، والأرصفة، والمواقف إلى سجلات مفتوحة تحفظ تفاصيل التحولات الاجتماعية، والصراعات الصامتة، وقصص العيش والنجاة.
إن قراءة هذا الأرشيف تتطلب ممارسة نوع من «الجيولوجيا المكانية»، أي الحفر المفهومي في الطبقات المتراكمة على الجدران والأشجار أحيانًا، فكل علامة محفورة أو مكتوبة تحمل خلفها قصة تفاوض على المكان، ففي أسفل الجدار، ترى بقعة زيت داكنة طبعت أثرها على الأسفلت عبر سنوات، تشهد على موقف غير رسمي لوسائل نقل شعبية استقر في هذه النقطة رغم الحملات المرورية المتكررة، وعلى بعد خطوات، تلاحظ تعديلًا يدويًا صغيرًا في حافة الرصيف أحدثه بائع جائل بصلابة ليثبت أرجل طاولته، محولًا الحجر الصامت إلى مساحة عمل دائمة ومحرسة بالتوافق الصامت مع المارة والمحلات المجاورة.
عودًا على بدء؛ يتوقف هذا التدوين الأرشيفي عند الجدران والأرصفة الثابتة، بل يتعداها ليركب أجساد وسائل النقل الحركية التي تجوب الشارع بانتظام، فالحافلات كبيرة أم صغيرة، وأغلب وسائل النقل، تتحول إلى منصات نصية -تلتهم عقلنا الباطن- تجر معها الحكم الشفاهية، وأبيات الشعر الشعبي، والعبارات التحذيرية حول غدر الزمان، وقلة الحيلة، والرزق، والستر، وهذه العبارات المحفورة على الزجاج الخلفي أو المصدات الحديدية ليست مجرد زينة عفوية، بل هي "مانيفستو" نصي متحرك يعكس فلسفة الشارع ونظرته للأخلاق والسلطة والقدر، ويسير جنبًا إلى جنب مع اللافتات المحلية التي يضعها الأهالي لإعادة تسمية الشوارع بأسماء أبنائها أو حرفها التاريخية، متجاهلين الأسماء الرسمية المدونة في السجلات التكنوقراطية.
إن قوة هذا الأرشيف الاجتماعي غير الرسمي تكمن في أنه يقدم تاريخًا مضادًا وموازيًا لذاكرة المؤسسات، فبينما تسعى المخططات العمرانية إلى تقديم صورة منسقة، ونظيفة، ومتحكم بها للمدينة، يعيد سكان الشارع كتابة تفاصيلهم اليومية بأجسادهم وأدواتهم على أسطحها، لذا أؤمن أشد الإيمان أن الشارع العربي ليس مساحة مجردة للمرور السريع، بل هو ذاكرة حية تحتفظ بآثار من سكنوه، وتدافعوا فيه، واقتطعوا منه مساحات عيشهم؛ إنه الأرشيف الذي يكتبه الناس بكلماتهم العابرة وآثار أقدامهم كل يوم، ليظل شاهدًا على مدينة ترفض أن تمحى ذاكرتها المعيشة.

صوت الشعب






