لا تُقاس قوة الحياة السياسية بكثرة عدد الأحزاب المسجلة، وإنما بقدرة هذه الأحزاب على الوجود بين المواطنين، والتعبير عن مصالحهم، وتقديم البرامج والبدائل، والمشاركة في صنع القرار وخوض انتخابات حقيقية تقوم على المنافسة وتكافؤ الفرص.
إن تنمية الحياة الحزبية ليست مطلبًا يخص الأحزاب وحدها، بل ضرورة وطنية؛ فالأحزاب إحدى الأدوات الأساسية لتنظيم مشاركة المواطنين، وإعداد الكوادر، ومراقبة الأداء العام، وتحويل مشكلات المجتمع ومطالبه إلى سياسات وتشريعات قابلة للتنفيذ.
ورغم أن الدستور كفل التعددية السياسية والحزبية وحق المواطنين في تكوين الأحزاب، فإن وجود النصوص وحده لا يكفي، ما لم تتوافر البيئة السياسية والقانونية والمالية التي تضمن تطبيقها بصورة حقيقية وعادلة.
المجال العام أساس الحياة الحزبية
لا يمكن مطالبة الأحزاب بأن تكون قوية ومؤثرة، بينما تظل قدرتها محدودة على فتح المقار، وتنظيم المؤتمرات والندوات، والتواصل المباشر مع المواطنين، والعمل داخل المحافظات والجامعات والنقابات ومراكز الشباب.
كما لا يمكن بناء حياة سياسية سليمة في ظل الخلط بين المعارضة الوطنية والفوضى، أو اعتبار النقد السياسي السلمي تهديدًا للدولة.
فالمعارضة ليست خصمًا للدولة، وإنما شريك في بنائها وتصحيح أخطائها. والدولة القوية لا تخشى الأحزاب القوية، بل تحتاج إليها؛ لأن غياب السياسة المنظمة لا ينهي الاختلاف، وإنما يدفعه بعيدًا عن المؤسسات والقنوات الشرعية.
ضرورة مراجعة التشريعات
تحتاج مصر إلى مراجعة شاملة لقوانين الأحزاب السياسية ومباشرة الحقوق السياسية ومجلسي النواب والشيوخ والإدارة المحلية، بما يضمن التعددية والمنافسة المتكافئة.
كما نحتاج إلى آلية مؤسسية دائمة للحوار بين الأحزاب ومؤسسات الدولة والهيئة الوطنية للانتخابات، لمناقشة التشريعات والسياسات المنظمة للمشاركة السياسية قبل إصدارها، مع دعم استقلال الهيئة وضمان شفافية قراراتها.
الأزمة المالية والمال السياسي
تعاني غالبية الأحزاب المدنية من ضعف مواردها، في مقابل الارتفاع الكبير في تكاليف المقار والأنشطة والدعاية الانتخابية، وهو ما يمنح أصحاب القدرات المالية أفضلية غير عادلة، ويفتح المجال أمام المال السياسي وشراء الأصوات.
ولذلك يجب وضع نظام قانوني شفاف يسمح بتقديم دعم محدود ومعلن للأحزاب الجادة وفق معايير موضوعية، مع إخضاع هذا الدعم والإنفاق لرقابة الجهات المختصة.
ويجب كذلك توفير القاعات العامة ومراكز الشباب لإقامة الأنشطة الحزبية، وإتاحة فرص إعلامية متكافئة، وتشديد الرقابة على مصادر تمويل الحملات وسقوف الإنفاق، وتطبيق عقوبات رادعة على شراء الأصوات.
إصلاح النظام الانتخابي
يمثل النظام الانتخابي المدخل الأساسي لتنمية الحياة الحزبية. فالنظام الذي يوسع التمثيل ويتيح المنافسة يقوي الأحزاب، بينما النظام الذي يحتكر التمثيل أو يجعل المنافسة شديدة التكلفة يؤدي إلى إضعافها.
ومن أهم أولويات الإصلاح:
- اعتماد القائمة النسبية غير المشروطة، باعتبارها الأكثر قدرة على تمثيل الاتجاهات المختلفة وفق وزنها الحقيقي في المجتمع.
- الجمع بصورة متوازنة بين القائمة النسبية والنظام الفردي، مع احترام الاستحقاقات الدستورية الخاصة بتمثيل الفئات المختلفة.
- إعادة تقسيم الدوائر على أسس عادلة تراعي عدد السكان والناخبين والترابط الجغرافي.
- خفض رسوم وتكاليف الترشح، حتى لا يصبح الحق في خوض الانتخابات مقصورًا على القادرين ماليًا.
- ضبط الإنفاق الانتخابي وإلزام الحملات باستخدام حسابات مصرفية معلنة.
- تحقيق تكافؤ الفرص الإعلامية وإتاحة مناظرات حقيقية بين المرشحين.
- نشر النتائج التفصيلية للجان، وتسليم المرشحين ووكلائهم نسخًا معتمدة من محاضر الفرز، وسرعة الفصل في الطعون.
انتخابات المحليات لا تحتمل التأجيل
لا يمكن الحديث عن تنمية الحياة الحزبية دون إجراء انتخابات المجالس المحلية؛ فهي المدرسة الأساسية لإعداد الكوادر السياسية، وربط الأحزاب بالمشكلات اليومية للمواطنين، وتمكين الشباب والمرأة من اكتساب الخبرات السياسية والتنفيذية.
كما أن غياب المجالس المحلية المنتخبة يحرم المواطنين من إحدى أهم أدوات الرقابة الشعبية والمشاركة في إدارة شؤون مجتمعاتهم.
الأحزاب مطالبة بإصلاح نفسها
لا تقع مسؤولية ضعف الحياة الحزبية على الدولة وحدها؛ فالأحزاب مطالبة أيضًا بمراجعة أوضاعها الداخلية، وتعزيز الديمقراطية والشفافية، وضمان تداول المسؤولية، وتمكين الشباب والمرأة، وتدريب كوادرها، وتطوير برامجها وخطابها السياسي.
كذلك يجب أن يكون وجود الأحزاب بين المواطنين مستمرًا، وألا يقتصر نشاطها على مواسم الانتخابات أو المناسبات السياسية.
استراتيجية وطنية حتى عام 2030
تحتاج مصر إلى استراتيجية وطنية محددة المراحل والتوقيتات لتنمية الحياة الحزبية، تتضمن إصلاح التشريعات السياسية والانتخابية، واعتماد القائمة النسبية، وإجراء انتخابات المحليات، وإقرار ميثاق يضمن حرية العمل السياسي وتكافؤ الفرص.
كما يجب أن تشمل الاستراتيجية تدريب الكوادر الحزبية، وإصدار تقرير سنوي عن حالة التعددية والمشاركة السياسية، وعقد حوار دوري بين الأحزاب ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني لمتابعة ما تحقق.
إن الإصلاح السياسي ليس ترفًا، ولا مطلبًا حزبيًا ضيقًا، بل ضرورة لتحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة الاجتماعية.
فلا تنمية مستدامة دون رقابة ومحاسبة، ولا عدالة اجتماعية دون مشاركة المواطنين، ولا جمهورية حديثة دون حياة سياسية تعددية تحترم حق المصريين في اختيار ممثليهم وصناعة مستقبلهم.
إن الطريق إلى حياة حزبية قوية يبدأ بإرادة سياسية جادة، وتشريعات عادلة، وانتخابات نزيهة، ومجال عام مفتوح، وأحزاب تتحمل مسؤوليتها أمام الوطن والمواطن.

صوت الشعب






