في أوقات الأزمات الدقيقة والتحولات الإقليمية العاصفة، تتكشف معادن الطروحات السياسية وتتمايز مقاصدها؛ فهناك فارقٌ شاسع بين نقدٍ مدني مسؤول يغوص في العمق ليضع يده على مكامن الخلل ويستنهض أجهزة الدولة لإنفاذ القانون، وبين سقوطٍ في فخ البكائيات المأزومة التي تستسهل إحباط المجتمع، وتتغطى بعباءة "الألم الوطني" لتمرير مقولات خطيرة تُفكك هيكل "الدولة" وتُجهز على الروح المعنوية لأبنائها.
من هذا المنطلق، يأتيني المنشور الأخير للفاضل الدكتور عماد جاد متسائلًا بنبرة يأس حادة: «ماذا لو خلت مصر من المسيحيين؟» ليقفز منها إلى الحديث عن "تبادل السكان" وينذر بالانزلاق نحو "النموذج الأفغاني"؛ وهو طرحٌ -وإن توشّح بنبرة الحِرقة- يقدم خدمة جليلة ومجانية لدعاة التطرف، ويروج لسيناريو "تفريغ الوطن" وكأنه مسار حتمي، وهو ما يستوجب قراءة سياسية وقانونية حاسمة تضع النقاط على الحروف دون مجاملة أو مواربة.
أولًا: الخلط المنهجي ومغامرة «التبادل السكاني»
إن التلميح بوجود "تشاريع عالمية لتبادل السكان" والتساؤل عما إذا كانت مصر ستكون سعيدة ورحيل الأقباط جارٍ، يمثل مغالطة منهجية تجافي أصول العلوم السياسية وتاريخ المجتمعات، نظرًا لطبيعة البناء المصري.
إن تجارب التبادل السكاني القسري في التاريخ الحديث وقعت حصرًا في كيانات إمبراطورية تفككت أو دول طائفية حديثة التأسيس؛ أما مصر، فليست كيانًا تجميعيًا ولا فسيفساء قابلة للقسمة، بل هي الدولة الأعرق في التاريخ، ذات نسيج بشري متصل ومستقر على ضفاف النيل منذ آلاف السنين.
ولإننا أمام الأصالة لا الإقامة المؤقتة، فإن اختزال التاريخ في معادلة "حسن ومرقس وكوهين". بقوله: «رحل كوهين وتبعه مرقس ليبقى حسن» هو تسطيح مخل وتزييف واضح. لإن خروج اليهود المصريين جاء في أعقاب صراعات جيوسياسية وتدخلات أجنبية معروفة، أما مرقس لم يأتِ بتأشيرة حضور ولن يغادر بتأشيرة خروج؛ والتلميح بإمكانية تفريغ الوطن هو ترويج لأوهام لا تستقيم إلا في أدبيات جماعات الإرهاب والتفتيت.
ثانيًا: شطط النمذجة مصر.. ليست ولن تكون أفغانستان
إن الجزم بأننا «نسير بقوة تجاه النموذج الأفغاني وبمباركة السلطة» هو شطط تحليلي يبتعد تمامًا عن الرصانة السياسية والقراءة الجيوسياسية الجادة. لأن بواقع المقارنة بين الدولة المؤسسية مقابل القبلية، أفغانستان مجتمع قبلي مغلق في جغرافيا وعرة لم يعرف مفهوم المؤسسة الوطنية أو الجهاز الإداري الموحد عبر تاريخه. أما مصر، فتقوم على أقدم مؤسسات، ويحميها وعي مجتمعي مدني متجذر.
أما تفكيك الخطاب المتطرف، فإن وجود تقاعس إداري لدى بعض الموظفين، أو وقوع ممارسات تمييزية فردية، هي أخطاء تُحاسَب عليها أجهزة الإدارة والقانون، ولكنها لا تعني أبداً تحول هيكل الدولة إلى نموذج "طالباني" وفقًا لرؤية الدكتور عماد.
إن القفز من "الحادثة" إلى "الظاهرة"، ومن "التقصير الإداري" إلى "سياسة الدولة"، هو مسلك يمنح الجماعات الراديكالية نصرًا مجانيًا على طبق من ذهب لم تستطع تحقيقه بالسلاح ولا بالسياسة.
ثالثًا: التدويل الناعم... الوطنية واجب وليست "منّة" تُساق في البكائيات
توقفت عند القوسين اللذين أدرجهما الدكتور عماد جاد في ختام مقاله، مُذكّرًا بموقفه السابق زمن الإخوان حين رفض مقابلة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون دفاعًا عن سيادة الوطن.. وهنا ينبغي أن نكون واضحين وقساة في آن واحد الوطنية التزام وليست فضيلة مُستدعاة. إن رفض التدويل والامتناع عن مناقشة الملفات الوطنية مع أطراف أجنبية هو ألف باء السلوك الوطني الطبيعي والمفترض في كل سياسي يحترم كرامة دولته، وليس "جميلاً" يُسجل في السجلات أو "منّة" يُمنّ بها على الوطن في معرض البكائيات!
لأنني رأيت هناك تناقض الرسائل لا استقامة في أن تُغلق الباب أمام الخارج في العلن، ثم تطلق في الداخل رسائل استغاثة تتلون بطائفية مبطنة تبشر برحيل النسل وتستدعي عطف المنصات! قضايا التمييز والمواطنة تُعالج داخل القاهرة، عبر مؤسسات الدولة كافة وبصمود أصحاب الحق، لا بالتلويح الضمني ببطاقات الاستقواء أو المظلومية العابرة للحدود.
رابعًا: المواطنة استحقاق دستوري واجب النفاذ
إن المصريون الأحرار في وطنهم هم وحدهم القادرون على تثبيت دعائم دولة القانون؛ فالأقباط المصريين عمومًا أو المسيحيين بالتحديد ردًا عليكم، يمثلون عصب قطاعات رئيسية في الاقتصاد والمال والأعمال والطب والفنون وغيرها؛ أما النبرة التي تبشر بترك البلاد للفقراء فهي نبرة تسهم في سحق الروح المعنوية وتقسيم المجتمع طائفيًا وطبقيًا.
خامسًا: رسالتي كـ مواطن مصري للدولة وللشارع المصري
أقول لكافة أجهزة ومؤسسات الدولة، إن حماية جدار الأمن القومي تبدأ من الإنفاذ الفوري والصارم للقانون، وتطهير الإدارة التنفيذية من أي مظاهر تمييز أو بيروقراطية طائفية -حال وجودها- وملاحقة خطابات الكراهية بحزم لا يلين.
قوة مصر في تلاحم جبهتها الداخلية وتطبيق العدالة بلا مواربة، وهو ما ننتظره ونراهن عليه.
ورسالتي إلى الأقباط عموما في مصر: هذا الوطن أرضكم وبيتكم لا تتركوا مواقعكم، ولا تتنازلوا عن حقكم في العمل الوطني والمدني والدستوري الشريف؛ الأوطان لا تُحمى بالهروب ولا بالاستجداء.
وفي الختام مصر لن تكون أفغانستان، ولن تصبح دولة طوائف، ولن تُفرغ من أبنائها.
إن الفارق الجوهري والعميق بين خطيب المنصة الذي يعتاش على تضخيم الأزمات وتأطير أوهام الانهيار لجمع التفاعلات، وبين رجل سياسي راشد، هو أن الثاني يعلم أن المواطنة حق يُنتزع بالقانون والدستور، وأن معالجة أخطاء الدولة تكون بإصلاحها وتثبيت أركانها، لا بالترويج لإعدامها سياسيًا أو التلويح ببطاقات الرحيل والانكسار.

صوت الشعب






