مقالات الرأي

النصوص اليومية والتفاوض الرمزي في المدن العربية

النصوص اليومية والتفاوض الرمزي في المدن العربية

ثمة جزء واسع من الحياة الاجتماعية في المدن العربية ظل طويلًا خارج الرؤية النظرية الجادة، ليس لأنه غير موجود أو غير مهم، بل لأن أدوات التحليل السائدة كانت تبحث عن السياسة في المكان الخطأ، فمنذ تشكل مفهوم المجال العام الحديث، ارتبطت السياسة في التصور الغالب بالمؤسسات الرسمية وفضاءات النقاش العلني المباشر وعبر الخطاب الصريح الذي تنتجه الصحافة والأحزاب والهيئات المدنية، وبهذا التصور أصبح المجال العام مرتبطًا بالصوت المرتفع والرؤية الواضحة، في حين غابت عنه البنى اليومية الصامتة أو شبه الصامتة التي تُدار داخلها غالبية تفاعلات الناس الفعلية وعلاقاتهم بالسلطة والمكان والآخرين، ففي المدن العربية، ولا سيما في أحيائها الشعبية، لا يتشكل المجال العام فقط عبر الخطابات الرسمية أو الاحتجاجات الكبرى، بل عبر اقتصاد يومي معقد ودقيق يتكون من الإشارات الاجتماعية والتفاهمات الضمنية والمراوغات والتعليقات العابرة والصمت المقصود والنكت المتداولة، هذه الممارسات تبدو للوهلة الأولى هامشية أو غير سياسية إذا قورنت بالسياسة الكبرى، لكنها في الواقع تشكل البنية العميقة التي تُنتج وتُعاد إنتاج العلاقات الاجتماعية والتوترات اليومية والشرعيات المحلية، لأن جزءًا كبيرًا من السياسة هنا لا يُقال بصورة مباشرة، ولا يتحرك داخل الصيغ المؤسسية الواضحة، بل يعيش داخل التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية؛ في طريقة الوقوف في الطابور، وفي نبرة الجملة الساخرة، وفي الصمت المتعمد، وفي إعادة تفسير التعليمات، وفي القدرة على قراءة ما لم يُقل بوضوح.

ويُعد تصور يورغن هابرماس للمجال العام الأكثر اكتمالًا لهذا التقليد النظري، إذ ربط نشأته بظهور فضاءات تداول عقلاني نقدي داخل المجتمع البرجوازي الأوروبي في القرن الثامن عشر، حيث يلتقي الأفراد كذوات عقلانية مستقلة لمناقشة القضايا العامة بشفافية ومساواة شكلية، وعلى ورغم قوة هذا النموذج داخل سياقه التاريخي والثقافي، فإنه يفقد كثيرًا من قدرته التفسيرية عند نقله مباشرة إلى السياق العربي، والمشكلة -بالتأكيد- ليست في غياب مجال عام عربي، بل في طبيعته المختلفة جذريًا، ففي الأحياء الشعبية في القاهرة أو حلب أو الدار البيضاء أو عمان أو بغداد، لا تُدار الحياة اليومية غالبًا عبر المواجهة المباشرة والتداول العقلاني الصريح، بل عبر تفاوض مستمر ودقيق مع السلطة داخل هوامشها، وإعادة تأويل قواعدها بطرق مرنة ومتعددة المستويات؛ هنا يتشابك القانون الرسمي مع شبكات الوساطة الشخصية، والإجراءات البيروقراطية مع العلاقات المحلية، والخطاب العلني مع طبقات المعنى الضمني، وبالتالي تصبح القدرة على قراءة الإشارات الاجتماعية، واستخدام الغموض اللغوي، وإدارة الصمت، وتوظيف النكتة في اللحظة المناسبة، ليست مجرد سمات ثقافية عفوية، بل مهارات سياسية أساسية للبقاء والتأثير والحصول على موارد.

كما يوفر عمل جيمس سكوت، وخاصة تمييزه بين النص العلني والنص الخفي، إطارًا نظريًا غنيًا لهذا الفهم، فالنص العلني هو الخطاب الذي يُنتج تحت رقابة السلطة ويتوافق مع شروطها الظاهرية، أما النص الخفي فيتشكل في المساحات الجانبية، داخل الأحاديث الخاصة، وفي النكت المتداولة، وفي الممارسات اليومية التي تبدو عادية، لكن أهمية هذا التمييز في المدينة العربية تتجاوز فكرة المقاومة الصامتة التي ركز عليها سكوت في سياقات الفلاحين، فالنص الخفي هنا ليس مجرد خطاب مضاد للسلطة، بل البنية التشغيلية للحياة الاجتماعية نفسها؛ إنه الآلية التي تسمح بإدارة التوترات اليومية، وإعادة توزيع الموارد الرمزية والمادية، وإنتاج شرعية محلية داخل الشروط العامة للسلطة القائمة، وهنا يحضرني على سبيل المثال الطابور أمام مكتب حكومي أو فرن خبز أو عيادة مستشفى، ستجده أكثر من مجرد ترتيب مكاني وظيفي، بل ساحة تفاوض رمزي مكثفة تتداخل فيها مفاهيم الأحقية والاحترام والوساطة والقوة الاجتماعية؛ من يستطيع التقدم قليلاً؟ من يحصل على معاملة استثنائية؟ وكيف يتم ذلك من دون خرق ظاهر للقواعد؟ وكذلك الرصيف والشارع، اللذان يتحولان إلى فضاء لمعركة يومية مستمرة بين الباعة الجائلين والأجهزة الأمنية والسكان والمارة، فنجد كل طرف يعيد تعريف حقه في المكان من خلال مزيج من الاتفاقات الشفهية والرشاوى الصغيرة والمراوغة والانسحاب الاستراتيجي، وهنا، كل ما يبدو للعين الإدارية فوضى هو في الواقع نظام تفاوضي معقد له قواعده الخاصة.

وببحث عن تعمق أكبر في هذا السياق، ينبغي أن نجتهد فيهم هذا الاقتصاد الرمزي في تعقيده الكامل دون تبسيط، فهو -من وجهة نظري- ليس مجرد أداة للمقاومة أو النجاة اليومية، بل حقل متضارب يجمع بين القدرة على الابتكار والتكيف من جهة، وبين إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة من جهة أخرى؛ المجاملة المبالغ فيها قد تكون تقنية فعالة لتجنب الصدام، لكنها قد تخفي في الوقت نفسه علاقات هيمنة وخوف، والغموض اللغوي يحمي الفرد أحيانًا، لكنه قد يعيق تشكل وعي جماعي واضح في أحيان أخرى، والنكتة السياسية الساخرة تعبر عن الاستياء الشعبي، لكنها غالبًا ما تعمل كصمام أمان يسمح بتصريف الضغط من دون أن يؤدي إلى تغيير جوهري في بنية السلطة، كما أن شبكات الوساطة والمعارف تعزز قدرة بعض الفئات على المناورة بينما تحرم فئات أخرى، مثل النساء في بعض السياقات أو المهاجرين الجدد أو الأقليات، من الوصول المتكافئ إلى هذه الموارد الرمزية.

عودًا على بدء؛ إن المجال العام الشعبي في المدينة العربية ليس فضاءً هامشيًا يعيش في ظلال السلطة، ولا نسخة ناقصة من النموذج الغربي، بل هو نظام اجتماعي متكامل له منطقُه الخاص ولغتُه الخاصة، لأنه يعيد تشكيل الواقع يوميًا من خلال أكثر تفاصيله بساطة، حيث تتحول الإيماءة والنكتة والصمت والانتظار إلى أدوات قوية للتفاوض والنجاة والإبداع في مواجهة قيود السلطة، وفهم هذا العالم الرمزي الخفي ليس مجرد مهمة أكاديمية، بل هو مفتاح أساسي لاستيعاب كيفية استمرار الحياة الاجتماعية وتجددها في أصعب الظروف، وكيف تظل المدينة العربية، على رغم من كل شيء، حية ومتمردة ومبدعة في أعماقها.

السلطة الرابعة

صوت الشعب