مقالات الرأي

الْمِهْنَةُ الْأَقْدَسُ فِي مَهَبِّ التِّجَارَةِ.

الْمِهْنَةُ الْأَقْدَسُ فِي مَهَبِّ التِّجَارَةِ.
الدكتور/ حماده السيد علي، الباحث في الشؤون السياسية.

تَقِفُ الْمَنْظُومَةُ التَّعْلِيمِيَّةُ وَالصِّحِّيَّةُ الْيَوْمَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، وَأَمَامَ مُنْعَطَفٍ حَرِجٍ يَمَسُّ جَوْهَرَ الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَيُهَدِّدُ الْأَمْنَ الْقَوْمِيَّ لِلْمُجْتَمَعِ.

لَقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَفَاضَ الكَيْلُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلصَّمْتِ؛ إِذْ أَمْسَتِ التَّجَاوُزَاتُ الصَّارِخَةُ فِي مَعَايِيرِ القَبُولِ بِكُلِّيَّاتِ الطِّبِّ التَّابِعَةِ لِلْقِطَاعِ الخَاصِّ جَرِيمَةً فِي حَقِّ المُسْتَقْبَلِ، وَمَسَارًا كَارِثِيًّا يُهَدِّدُ بِانْهِيَارِ جَوْدَةِ الرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ وَيَعْبَثُ بِأَرْوَاحِ البَشَرِ.

إِنَّ خَفْضَ الحَدِّ الأَدْنَى لِلِالْتِحَاقِ بِتِلْكَ الكُلِّيَّاتِ لِيَصِلَ إِلَى مُسْتَوَيَاتٍ هَزِيلَةٍ، لَهُوَ ذِرْوَةُ العَبَثِ بِأَرْوَاحِ البَشَرِ، وَجَرِيمَةٌ مَكْشُوفَةُ الأَرْكَانِ فِي حَقِّ المِهْنَةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ؛ إِذْ يُشَكِّلُ انْحِرَافًا جَسِيمًا عَنْ مَبَادِئِ الكَفَاءَةِ، وَإِهَانَةً لِمَفَاهِيمِ العَدَالَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ.

إِنَّ تَحْوِيلَ التَّعْلِيمِ الطِّبِّيِّ مِنْ مَسَارٍ نُخْبَوِيٍّ يَقُومُ عَلَى التَّفَوُّقِ العِلْمِيِّ وَالِاسْتِعْدَادِ العَقْلِيِّ، إِلَى سِلْعَةٍ تِجَارِيَّةٍ تُبَاعُ وَتُشْتَرَى لِغَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ، لَهُوَ مُنْزَلَقٌ خَطِيرٌ يُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى تَقْوِيضِ أَرْكَانِ الثِّقَةِ بَيْنَ المَوَاطِنِ وَالمُؤَسَّسَاتِ العِلَاجِيَّةِ، وَيَهْدِمُ عِمَادَ المَنْظُومَةِ الصِّحِّيَّةِ مِنْ جُذُورِهَا.
إِنَّ هَذَا التَّدَنِّيَ المَخِيفَ فِي مَعَايِيرِ التَّأْهِيلِ سَيُجْبِرُ المَرِيضَ مُسْتَقْبَلًا عِنْدَ أَبْوَابِ العِيَادَاتِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ عَلَى الِاسْتِجْوَابِ القَسْرِيِّ لِكُلِّ مَنْ يَحْمِلُ المِشْرَطَ أَوْ يَمَسُّ جَسَدَهُ: «كَمْ كَانَتْ نِسْبَتُكَ فِي الثَّانَوِيَّةِ؟»؛ فَإِنْ كَانَتْ دُونَ التِّسْعِينَ فِي المِائَةِ، فَلَنْ يَجِدَ المَرْءُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَحْمِلَ بَقَايَا صِحَّتِهِ وَيَفِرَّ هَارِبًا مِنْ أَوْهَامِ هَؤُلَاءِ المُمَارِسِينَ.
إِنَّ الِاسْتِهْتَارَ بِمَعَايِيرِ التَّأْهِيلِ الطِّبِّيِّ يُعِيدُ الْأَذْهَانَ إِلَى حِقَبٍ غَابِرَةٍ؛ يَوْمَ كَانَ «حَلَّاقُ الصِّحَّةِ» يُدَاوِي النَّاسَ بِبَسَاطَتِهِ وَعَلَى فِطْرَتِهِ، وَبِحُدُودِ إِدْرَاكِهِ الْمَجْهُودِ، مَعَ اعْتِرَافِهِ الضِّمْنِيِّ بِعَجْزِهِ.

حَتَّى بَاتَ ذَاكَ الْحَلَّاقُ الْيَوْمَ أَرْحَمَ بِنَا وَأَقْرَبَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ مَهَازِلَ تُقَدِّمُ الْقَاصِرِينَ عَلَى سُلَّمِ الطِّبِّ بِسُلْطَانِ الْمَالِ، فَتَعْبَثُ بِقَدَاسَةِ الْمِهْنَةِ وَتَسْتَهِينُ بِأَرْوَاحِ الْبَشَرِ.
نَضَعُ أَمَامَ صُنَّاعِ القَرَارِ فِي وَزَارَةِ التَّعْلِيمِ العَالِي هَذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ الوَطَنِيَّةَ وَالأَخْلَاقِيَّةَ الحَاسِمَةَ، وَنُهِيبُ بِهِمْ لِلْإِسْرَاعِ فِي إِعَادَةِ النَّظَرِ الفَوْرِيَّةِ فِي هَذِهِ السِّيَاسَاتِ، وَفَرْضِ الرَّقَابَةِ الصَّارِمَةِ عَلَى الكُلِّيَّاتِ الخَاصَّةِ؛ ذَوْداً عَنْ شَرَفِ المِهْنَةِ، وَصَوْناً لِأَرْوَاحِ المَوَاطِنِينَ، وَإِيقَافاً لِأَيِّ مَشَارِيعَ تِجَارِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ تَعْبَثُ بِمُقَدَّرَاتِ الوَطَنِ.

السلطة الرابعة

صوت الشعب