في عالم تسوده ضبابية المستقبل، وترتفع فيه أعلام الحروب في بقاع جغرافية متفرقة على خرائط الدول، وإن كان بعضها لا يتجاوز حدود التصريحات النارية والمواجهات الكلامية عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، خرج علينا المؤتمر الدولي لأسبوع القاهرة التاسع للمياه، حاملًا شعارًا بالغ الأهمية والدلالة: «المياه محفزًا للسلام».
توقفت قليلًا أمام هذا الشعار الذي لا يعكس فقط أهمية المياه باعتبارها أحد أهم الموارد الطبيعية لاستمرار الحياة، بل يعبر أيضًا عن توجه دولة لها تجربتها الخاصة في الدعوة إلى السلام، وهي مصر، التي اختارت دائمًا أن يكون التعاون والحوار والتفاهم سبيلًا لمعالجة الأزمات، رغم ما تواجهه من تحديات وضغوط إقليمية ودولية، ومحاولات لدفع المنطقة إلى دوائر الصراع والحروب الهجينة وحروب الوكالة.
ويأتي أسبوع القاهرة للمياه برسالته الواضحة إلى العالم، مؤكدًا أن المياه، ذلك المورد الطبيعي الذي لا تستقيم الحياة على كوكب الأرض بدونه، يمكن أن تتحول من مصدر محتمل للخلافات إلى محفز للتعاون والتقارب بين الدول والشعوب، وأن تكون نقطة انطلاق لشحذ الهمم وتوحيد الجهود من أجل الحفاظ على كل قطرة مياه، لا سيما في الدول والمناطق التي تعاني من ندرة المياه والجفاف، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم.
ولم تكن أجندة الأسبوع مجرد لقاءات بروتوكولية أو جلسات تقليدية، بل جاءت حافلة بالعديد من المحاور والجلسات العلمية والفنية التي تناغمت مع شعار المؤتمر، وناقشت قضايا الأمن المائي، وإدارة الموارد المائية المشتركة، والتعاون الإقليمي، والاستثمار في قطاع المياه، والتكنولوجيا والابتكار، والتكيف مع التغيرات المناخية.
رسالة مصر إلى العالم
وقد عبرت مصر عن موقفها الثابت تجاه قضية المياه من خلال تصريحات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، التي أكد فيها أن مصر تواجه تحديًا مائيًا خاصًا بحكم جغرافيتها واعتمادها على نهر النيل، الذي تتشارك فيه دول حوض النيل، مشددًا على أهمية الالتزام بقواعد القانون الدولي وحسن الجوار، واحترام حقوق جميع دول الحوض في التنمية، وأن وجود منابع النهر داخل أراضي دولة ما لا يمنحها حق التحكم المنفرد في مورد مائي تتشارك فيه شعوب عدة.
كما أكد سيادته أن يد مصر ممدودة لأشقائها من أجل تعاون يقوم على قواعد القانون الدولي والتشاور والتنسيق.
وفي إطار الاهتمام الرئاسي بفعاليات المؤتمر، استقبل فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بقصر الاتحادية السادة الوزراء ورؤساء الوفود المشاركين في أسبوع القاهرة التاسع للمياه 2026، بحضور الأستاذ الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، والدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج.
الدبلوماسية المائية.. حضور مصري على مختلف الجبهات
وشهد المؤتمر نشاطًا مكثفًا من الأستاذ الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، الذي تنقل بين أروقة المؤتمر وجلساته، مشاركًا ومتحدثًا ومحاضرًا في العديد من الفعاليات العلمية رفيعة المستوى، إلى جانب عقد سلسلة من اللقاءات الثنائية مع الوزراء والمسؤولين وممثلي المؤسسات والمنظمات الدولية.
فقد شارك الدكتور سويلم في الجلسة رفيعة المستوى حول «التعاون القائم على العلم في إدارة الموارد المائية المشتركة»، التي نظمها كرسي اليونسكو لإدارة وحوكمة المياه العابرة للحدود، بالتعاون مع المركز القومي لبحوث المياه ومكتب اليونسكو بالقاهرة والبرنامج الهيدرولوجي الحكومي الدولي لليونسكو.
كما شارك في جلسة «من التعاون إلى التأثير: الشراكات المائية الثنائية من أجل الازدهار المشترك في حوض النيل»، وجلسة «المياه الخضراء من أجل مستقبل آمن مائيًا».
وعلى صعيد التعاون الدولي والإقليمي، عقد الوزير سلسلة من اللقاءات المهمة، شملت:
• لقاء وزيرة البيئة بجمهورية رواندا، لبحث تعزيز التعاون في مجال الموارد المائية ودعم التنمية والتعاون الإقليمي بين دول حوض النيل.
• لقاء وزير البيئة والمياه والزراعة بالمملكة العربية السعودية، لبحث تعزيز التعاون الثنائي وتبادل الخبرات في الإدارة المستدامة للموارد المائية.
• لقاء السكرتير الدائم لوزارة المياه والصرف الصحي بجمهورية كينيا، لبحث فرص تنفيذ المشروعات التنموية ذات الاهتمام المشترك.
• لقاء وزير الموارد المائية بجمهورية أوزبكستان، لتحديد مجالات التعاون والعمل ذات الأولوية.
• لقاء القائم بأعمال وزير الموارد المائية والري بجنوب السودان، لبحث تعزيز التعاون ودعم التنمية المشتركة.
• لقاء وزير الموارد المائية العراقي، لتبادل الخبرات وتعزيز التعاون في إدارة المياه.
• لقاء وزير الدولة للمصايد بأوغندا، لبحث التعاون في مجال الموارد المائية ومكافحة الحشائش المائية.
• لقاء وزير المياه والبيئة الأوغندي، حيث أكد الوزير حرص مصر على تعزيز التعاون مع أوغندا، ودعم مشروعات الموارد المائية والتدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات، إلى جانب دعم المشروعات ذات الأولوية بدول حوض النيل من خلال آلية التمويل الإقليمية المجمعة، ومواصلة العملية التشاورية لاستعادة التوافق بين دول الحوض.
• لقاء وزير الموارد المائية التونسي، لبحث تعزيز التعاون المشترك.
• لقاء رئيس سلطة المياه الفلسطينية، لبحث التعاون في التدريب وبناء القدرات وتصميمات سدود حصاد مياه الأمطار.
• لقاء المبعوث الفنلندي الخاص للمياه، لبحث تعزيز التعاون بين مصر وفنلندا.
• لقاء الجانب الإسباني، لبحث التعاون في مجال تحلية المياه للإنتاج الكثيف للغذاء وتطوير منظومة إدارة المياه.
كما امتدت اللقاءات إلى المؤسسات والمنظمات الدولية، حيث بحث الدكتور سويلم مع العضو المنتدب لمكتب الإيفاد تعزيز التعاون في مجالات إدارة المياه والتكيف مع التغيرات المناخية، والتقى الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لبحث مواجهة الجفاف والتصحر، كما بحث مع رئيس معهد المياه المتوسطي تنسيق الجهود والاستعدادات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026.
الحضور العربي.. من التوافق إلى العمل المشترك
وعلى المستوى العربي، شهد أسبوع القاهرة التاسع للمياه تطورًا مهمًا بتسلم مصر رئاسة المجلس الوزاري العربي للمياه من المملكة الأردنية الهاشمية، إلى جانب انتخابها رئيسًا للمكتب التنفيذي للمجلس في دورته السابعة عشرة.
ويضم المكتب التنفيذي في دورته الحالية كلًا من مصر والسودان والأردن والمملكة العربية السعودية والعراق والبحرين وجيبوتي والجزائر، بما يعكس تنوع التمثيل العربي وحرص الدول الأعضاء على تعزيز التنسيق والتعاون في إدارة الموارد المائية.
وقد أكد الدكتور سويلم أهمية ترجمة التوافق العربي إلى مشروعات وشراكات عملية تدعم الأمن المائي وتحقيق التنمية المستدامة، وهو ما يعكس أن التعاون العربي في مجال المياه يجب ألا يتوقف عند حدود الاتفاقات والتوصيات، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروعات ملموسة يستفيد منها المواطن العربي.
كما افتتح الدكتور سويلم المؤتمر العربي السابع للمياه، مؤكدًا أهمية تحويل التعاون العربي إلى مشروعات تدعم الأمن المائي والتنمية.
وشهد اليوم الثاني من فعاليات الأسبوع حوارات وزارية ولقاءات ثنائية وجلسات جمعت ممثلين عن الدول العربية والأفريقية وشركاء دوليين، تناولت الأمن المائي وإدارة الموارد المشتركة والاستثمار في قطاع المياه والتكنولوجيا والابتكار، إلى جانب الاستعدادات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، حيث ترأس الدكتور سويلم جلسة رفيعة المستوى لمناقشة الاستعدادات النهائية لهذا المؤتمر الدولي.
من الحوار إلى التنفيذ.. مشروعات ومبادرات جديدة
ولم تقتصر نتائج أسبوع القاهرة للمياه على الحوار وتبادل الرؤى، بل شهدت الفعاليات الإعلان عن عدد من المبادرات والمشروعات المهمة التي تستهدف تطوير قطاع المياه وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المستقبلية.
فقد شهد المؤتمر توقيع بروتوكول تعاون بين الشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه والجانب الهولندي، لبدء تنفيذ مشروع لحصاد مياه الأمطار والحماية من السيول بوادي فيران بجنوب سيناء.
كما تم توقيع اتفاقية مشروع «الحصاد المائي في سانت كاترين ووادي فيران»، بحضور الأستاذ الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، والسيدة ميشيل دي كليرك، السكرتير الأول لشؤون التجارة والتنمية بسفارة مملكة هولندا لدى مصر، والدكتور مروان الرقاد، المدير التنفيذي للشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه.
وشهد الأسبوع أيضًا إطلاق النسخة الأولى من الكود المصري لأعمال الري والصرف، بهدف توحيد المرجعيات الهندسية وتعزيز استدامة البنية التحتية المائية، إلى جانب الإعلان عن إطلاق مركز الابتكار وريادة الأعمال المائية المصري الهولندي لدعم تنفيذ «الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0»، وإطلاق التحالف الوطني لتحلية المياه من أجل الأمن الغذائي.
كما استعرض الدكتور سويلم جهود مصر في تعزيز التكيف مع التغيرات المناخية وحماية السواحل، وشهد ختام البرنامج التدريبي «BCLEAR» لتأهيل مدربين أفارقة في مجال المياه والأمن الغذائي.
وشارك الوزير كذلك في إطلاق استراتيجية مرفق المياه الأفريقي 2026–2030، الهادفة إلى دعم الاستثمارات وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي بالقارة الأفريقية، كما شارك في الجلسة الافتتاحية رفيعة المستوى للمؤتمر الأول لمنصة MED-RISE المعنية بحشد الاستثمارات الخاصة في مجالات المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية.
المياه.. لغة جديدة للسلام
إن المتأمل في مجمل فعاليات أسبوع القاهرة التاسع للمياه يدرك أن الرسالة لم تكن مجرد شعار اختير ليزين لافتات المؤتمر، وإنما محاولة جادة لتقديم رؤية مختلفة للتعامل مع قضية المياه، تقوم على أن المصالح المشتركة يمكن أن تكون أساسًا للتقارب، وأن العلم والحوار والتعاون قادرة على فتح مسارات جديدة للتنمية والاستقرار.
فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي تتنافس الدول على امتلاكه، بل هي مسؤولية مشتركة، ومجال رحب لبناء الشراكات، وفرصة حقيقية لتحويل التحديات إلى مساحات للتعاون.
وربما تكون الرسالة الأهم التي خرج بها أسبوع القاهرة التاسع للمياه أن العالم، الذي أنهكته الصراعات وتعددت فيه بؤر التوتر، يحتاج اليوم إلى أن يتعلم كيف يتشارك في إدارة موارده قبل أن تتحول ندرتها إلى سبب جديد للصراع.
ومن هنا تبرز أهمية الرسالة المصرية: أن تكون المياه جسرًا للتواصل لا حاجزًا للخلاف، وأداة للتنمية لا سببًا للصراع، ومحفزًا للسلام الذي يحتاج إليه العالم أكثر من أي وقت مضى.

صوت الشعب






