مقالات الرأي

حين تضطرب الدولة.. لماذا تستدعى المفكرين؟ من إدارة الأزمات إلى صناعة الوعى ، لماذا يصبح العقل الاستراتيجي ضرورة وطنية في لحظات الفوضى؟

حين تضطرب الدولة.. لماذا تستدعى المفكرين؟

من إدارة الأزمات إلى صناعة الوعى ، لماذا يصبح العقل الاستراتيجي ضرورة وطنية في لحظات الفوضى؟

ليست كل الأزمات التى تواجه الدول أزمات اقتصادية أو سياسية أو أمنية ، فبعضها أعمق من ذلك بكثير؛ إنها أزمات فى طريقة التفكير ، واضطراب فى فهم الواقع ، واختلال فى العلاقة بين المجتمع ومؤسساته ، وتراجع فى القدرة على قراءة المستقبل .

وفى مثل هذه اللحظات ، لا تكون المشكلة فى نقص القرارات بقدر ما تكون فى غياب الرؤية التى تمنح القرارات معناها واتجاهها ،

هنا تحديداً تتجه الدولة إلى المفكرين ،
ليس لأن المفكر يمتلك عصاً سحرية لإنهاء الأزمات ، ولا لأنه بديل عن المؤسسات التنفيذية أو الخبرات الفنية ، ولكن لأن الفوضى فى جوهرها ليست دائماً غياباً للنظام؛ فقد تكون نتيجة وجود أنظمة قديمة لم تعد قادرة على استيعاب واقع جديد.

أولاً : لأن رجل الدولة يدير الواقع ، بينما المفكر يعيد تفسيره.

تتعامل الأجهزة التنفيذية مع الوقائع وفق اختصاصاتها وأدواتها ، بينما ينظر المفكر إلى ما وراء الوقائع: لماذا حدثت الأزمة؟ ما جذورها؟ ما المصالح التي تحركها؟ وما النتائج التى قد تترتب عليها إذا استمرت المعالجة بالمنطق ذاته؟

إن الفرق بين إدارة الأزمة وفهم الأزمة هو الفرق بين إطفاء الحريق وإدراك أسباب اشتعاله ،
والدولة التى تكتفى بإطفاء الحرائق ستظل أسيرة الأزمات المتكررة ، أما الدولة التى تستثمر فى العقل النقدى والاستراتيجى فتحاول الإنتقال من رد الفعل إلى استباق الأحداث.

ثانياً : لأن الفوضى تبدأ أحياناً من انهيار المعنى.
عندما تتضارب المعلومات ، وتتعدد الروايات ، وتفقد الحقائق قدرتها على إقناع الناس ، تصبح الأزمة أكبر من مجرد خلل إدارى أو اقتصادى ،
تتحول إلى أزمة وعى وثقة وإدراك.
وهنا تظهر أهمية المفكر باعتباره منتجاً للرؤية ، وقادراً على تفكيك الخطاب العام ، والتمييز بين الحقيقة والانطباع ، وبين النقد المسؤول ومحاولات التضليل ، وبين المطالب المشروعة والفوضى التى قد تتخفى خلفها ،
فالمجتمعات لا تحتاج إلى من يخبرها بما يحدث فقط ، بل تحتاج إلى من يساعدها على فهم لماذا يحدث ، وإلى أين يمكن أن يقودها.

ثالثاً : لأن الدولة تحتاج إلى عقل يسبق الزمن.
السياسات العامة لا تُقاس بنتائجها العاجلة وحدها ، وإنما بقدرتها على صناعة مستقبل أكثر استقراراً ،
والمفكر الحقيقي لا ينشغل فقط بسؤال : كيف نعبر الأزمة الحالية؟ بل يطرح سؤالاً أكثر أهمية: كيف نمنع تكرارها؟
وهذا ما يجعل التفكير الاستراتيجى ضرورة للدولة الحديثة؛ إذ تحتاج صناعة القرار إلى تداخل العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والتكنولوجية ، حتى لا تتحول القرارات إلى حلول مؤقتة لمشكلات متجددة.

رابعاً : لأن القوة وحدها لا تصنع الاستقرار.
قد تمتلك الدولة مؤسسات قوية ، وأجهزة قادرة ، وموارد بشرية ومادية ، لكنها تظل بحاجة إلى منظومة فكرية تحدد كيفية توظيف هذه الإمكانات ،
فالقوة دون رؤية قد تتحول إلى استنزاف ، والسلطة دون معرفة قد تنتج قرارات قصيرة النظر ، والإدارة دون فلسفة واضحة قد تتحول إلى مجرد إجراءات متتابعة بلا مشروع جامع ،
ومن هنا فإن الاستعانة بالمفكرين ليست ترفاً ثقافياً ، بل استثمار فى جودة القرار العام، شريطة أن يكون الفكر مستقلاً ، والنقد مسموحاً ، والاختلاف جزءاً من عملية صناعة القرار.

خامساً : المفكر ليس موظفاً لدى السلطة ، بل شريك في حماية المستقبل.
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية ،
فالدولة التى تستدعى المفكرين لتسمع ما يرضيها لن تحصل إلا على صدى صوتها ، أما الدولة التى تمنحهم مساحة لطرح الأسئلة الصعبة ومراجعة المسلمات وتقديم البدائل ، فهى التى تمتلك فرصة حقيقية لتطوير سياساتها ،
المفكر الذى لا يستطيع الاعتراض لا يستطيع الابتكار ، والذى يخشى طرح الأسئلة لا يمكنه تقديم إجابات مختلفة ،
ولذلك فإن قيمة المفكر لا تظهر فى قدرته على تبرير القرارات ، وإنما فى قدرته على اختبارها وكشف مواطن القوة والقصور فيها قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات عامة.

الدولة التي تفكر لا تنتظر الفوضى حتى تتعلم.
فى النهاية ، حين تتجه الدولة إلى المفكرين ، فإنها لا تبحث بالضرورة عن إجابة جاهزة ، وإنما تبحث عن قدرة عقلية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة ،
فالتاريخ لا تصنعه القرارات وحدها ، بل تصنعه أيضاً الأفكار التى سبقت القرارات ، والرؤى التى أعادت تشكيل المؤسسات ، والعقول التى امتلكت شجاعة النظر إلى المستقبل خارج حدود المألوف ،

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة فى أوقات الاضطراب ليس اختلاف الآراء ، بل غياب العقل القادر على إدارة هذا الاختلاف وتحويله إلى معرفة وسياسات وحلول ،
فالدول لا تسقط دائماً عندما تضعف مواردها ، وإنما قد تبدأ رحلة التعثر عندما يتوقف عقلها الجمعى عن إنتاج الأفكار.

ولهذا ، فإن استدعاء المفكرين فى لحظات الفوضى ليس إعلاناً عن عجز الدولة ، بل يمكن أن يكون تعبيراً عن إدراكها أن استعادة التوازن تبدأ من استعادة القدرة على التفكير ،
فحين تعجز الضوضاء عن تقديم إجابة ، يصبح العقل هو المؤسسة الأهم فى معركة استعادة الدولة.

السلطة الرابعة

صوت الشعب