مقالات الرأي

حقيقة العدالة المغشوشة وتناقضات المشروع الأوروبي...

حقيقة العدالة المغشوشة وتناقضات المشروع الأوروبي...
الدكتور/ حماده السيد علي، الباحث في الشؤون السياسية.

تحصد الدول الأوروبية اليوم بعض ما زرعته بالأمس؛ فما تشهده بعض عواصمها من مظاهرات ليس مجرد أزمة مهاجرين عابرة أو عرضاً طارئاً، بل هو انعكاس حتمي لتناقضات صارخة تراكمت عبر عقود طويلة من الزمان.
إن التاريخ لا يصاب بالزهايمر، وآثار الظلم لا تختفي بكلمات براقة، بل تبقى حية في ذاكرة الشعوب تنتظر لحظة الحقيقة. ولعل المفارقة المؤلمة والموجعة أن الدول التي تتصدر المشهد الدولي في الدفاع عن حقوق الإنسان قد جمعت جل ثرواتها عبر عقود من الاستعمار الغاشم، واستغلال خيرات الدول الإفريقية والعالم العربي والإسلامي.

لقد نُهبت الموارد الطبيعية، وشُلَّت الاقتصادات المحلية، ثم نصَّبت هذه الدول نفسها نموذجاً يُحتذى به في العدالة والحضارة.
لقد نجحت في بناء «دولة الرفاه» المادي على أنقاض الشعوب المقهورة، لكنها ارتطمت بفشل ذريع في بناء «مجتمع العدل» المعنوي.
لقد فتحت أوروبا أبوابها لملايين المهاجرين، واستغلت سواعدهم الفتية وعقولهم النيرة في إعمار مدنها وبناء اقتصادها بعد الحروب، لكنها أخفقت بامتياز في منحهم ما هو أعظم شأناً من الأجور وبطاقات الإقامة؛ ألا وهو الكرامة الإنسانية والمساواة الحقيقية.
ولم تقف المأساة عند الجيل الأول، بل امتدت إلى الأجيال التالية التي وُلدت على أراضيها، فوجدوا أنفسهم محصورين في غيتوات هامشية، يعانون من التمييز الممنهج في الفرص والعمل، ويعيشون أزمة هوية واغتراباً نفسياً قاسياً داخل المجتمعات التي نشأوا فيها.

تتجلى المأساة الأخلاقية في الكيل بمكيالين، فالقيم التي تنادي بها أوروبا تصبح مرنة ومشروطة حينما تتعلق بالأقليات أو بالقضايا الدولية للشعوب المستضعفة.
وفي الواقع، إن الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي يمارس إقصاءً فكرياً، حيث يُعامَل الإنسان وفق أصوله ودينه ولونه، لا وفق إنسانيته.

وهذا التناقض المفضوح بين الشعارات البراقة والواقع الممارس هو ما جعل الحضارة الأوروبية تفقد ثقة العالم في مظلتها الأخلاقية.
وإننا إذ نعلن رفضنا القاطع لكل أشكال العنف والتخريب والاعتداء على المؤسسات والممتلكات دون أدنى تردد، نرفض في الوقت ذاته وبشدة متساوية العنصرية المقيتة، والإقصاء، وازدواجية المعايير.
وأمام هذه التطورات المقلقة، فإننا ندعو السلطات الأوروبية كما كانوا يدعون في الربيع العربي بالتحلي بأقصى درجات ضبط النفس في التعامل مع المحتجين، والوقوف بحزم مع احترام حق المواطنين الكامل في التعبير السلمي عن آرائهم، ورفع مطالبهم المشروعة دون خوف أو ترهيب.
كما نؤكد على الضرورة القصوى للامتناع عن الاستخدام المفرط للقوة، ووجوب كفالة سلامة الممارسين لحقهم الدستوري، مع الإفراج الفوري وغير المشروط عن كل من تم احتجازه لمجرد مشاركته في هذه التظاهرات السلمية.
وفي هذا الصدد، نهيب بالمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية العالمية أن تتولى مسؤولياتها بمتابعة الميدان عن كثب، والتأكد المطلق من التزام السلطات الأوروبية بالمعايير والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة.
إننا نُشدد على أن الحلول الأمنية القمعية لن تكون يومًا بديلًا عن الحوار الجاد والاستجابة الحقيقية لتطلعات الشعوب، ونُذكر العالم أجمع بأن حرية التعبير والتظاهر السلمي حقوق كونية ثابتة لا تتغير باختلاف الموقع الجغرافي أو المعايير المزدوجة.
لقد بدأت أوروبا تفقد بريقها الاقتصادي والسياسي والأخلاقي؛ فالأمم لا تسقط حين تتراجع ثرواتها أو تضطرب شوارعها فحسب، بل تسقط سقوطاً حضارياً كاملاً حين تتراجع قيمها، وتتسع الفجوة العميقة بين ما تقوله عن العدل، وما تفعله حقيقةً بالإنسان.

السلطة الرابعة

صوت الشعب