مقالات الرأي

3422 يوماً بين رفض تيران والامتناع عن التفويض .. ماذا جرى للمصري الاجتماعي ؟!

3422 يوماً بين رفض تيران والامتناع عن التفويض .. ماذا جرى للمصري الاجتماعي ؟!

المشهد الأول: 14 يونيو 2017
في قاعته التاريخية بوسط البلد، احتشد النواب بمجلسهم ، كما لم يحتشدوا من قبل.
اعتلى الدكتور علي عبد العال منصة الرئاسة، ملوحاً بمطرقة المجلس وضارباً بها، شاخطاً في النواب: "اجلسوا".

ساد هياج من نواب تكتل 25-30. وبعد محاولات فاشلة للسيطرة، صاح بصوته المبحوح وبلغته العربية الهجينة : "الموافق على قفل باب المناقشة يتفضل برفع يده، الموافق على ما انتهى إليه تقرير اللجنة بشأن اتفاقية تيران وصنافير يتفضل بالوقوف"وكررها اربعًا ووقف فوقفوا

وقفت الأغلبية، بينما تظاهر نواب 25-30 داخل القاعة رافعين لافتات "مصرية"، هاتفين "مصرية.. مصرية".

وكان نواب الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وقتها أربعة فقط. التزم اثنان بقرار الحزب، وهما إيهاب منصور وخالد عبد العزيز شعبان، بينما وافق الآخران: عبد الفتاح جمال (أبو تيج - أسيوط) ونور عبد الرازق (طما - سوهاج). ففصلهما الحزب، مفضلاً خسارة نصف هيئته ومنتصراً لمبادئه.

المشهد الثاني: 26 أكتوبر 2026
وبعد 9 سنوات و4 أشهر و12 يوماً، وتحديداً 3422 يوماً، في قاعة بلا ملامح فنية بالعاصمة الإدارية، اعتلى المستشار هشام بدوي المنصة. وبعد كلمات قليلة، طلب التصويت وقوفاً على تفويض الرئيس بإرسال قوات للسعودية.

حصل على موافقة هادئة من الأغلبية. أما نواب الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فلم يرفضوا، بل امتنعوا عن التصويت.

ماذا تغير؟
سأحاول، حرصاً على هذا الحزب الذي أراه حزباً بجد، أن أتفهم مبررات بيانه الصادر في 18 أكتوبر 2026. لخصها في خمس نقاط: أمن الخليج من أمننا القومي، ووجود ملايين المصريين هناك، والحاجة لمعلومات عن طبيعة المهمة ومدتها ومخاطرها، وأهمية الدور الدبلوماسي لمصر، والضغوط الاقتصادية على الموازنة، وتعثر اتفاقية الدفاع العربي المشترك.

والحقيقة أن معظم هذه النقاط كان يجب أن تقود إلى الرفض لا إلى الامتناع. فالامتناع يعني موافقة ضمنية مشروطة بمعلومات. فهل القضية مبدئية: ألا تتدخل مصر عسكرياً في صراع بين الأشقاء؟ أم نتدخل بمعلومات وحساب المكاسب والخسائر ومراعاة الموازنة المهترئة؟!

والأخطر أن البيان لم يذكر الشعب اليمني بكلمة واحدة. هل قدر الحزب أن الشعب اليمني لم يشن حرباً على السعودية ولم يحاصر مطاراتها لسنوات، كما فعلت عاصفة الحزم منذ 25 مارس 2015 بفرض حظر طيران كامل وقصف مدرج مطار صنعاء الذي لم يُفتح إلا بعد هدنة أبريل 2022؟

هل تذكر الحزب مجزرة الصالة الكبرى بصنعاء في 8 أكتوبر 2016 حين قُتل أكثر من 140 شخصاً وأصيب 525 في عزاء والد اللواء جلال الرويشان؟ أو قصف حفل زفاف في حجة في 22 أبريل 2018 الذي استقبلت فيه أطباء بلا حدود 63 مصاباً وقُتلت العروس؟

تقارير الأمم المتحدة تقول إن اليمن على أعتاب أكبر مجاعة في العصر الحديث، وإن إجمالي الوفيات بلغ 377 ألفاً، 60% منهم بسبب الجوع والمرض، وإن نصف أطفال اليمن دون الخامسة يعانون التقزم.

المفارقة التي كان يجب أن تلفت نظر الحزب
في نفس يوم تصويت مجلس النواب، كانت وفود السعودية وتركيا وباكستان تجلس في طهران مع إيران - التي يقال بحق إنها راعي الحوثيين - بحثاً عن حل. ضمت الوفود وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن، ونائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني.

فالمجلس يفوض للدفاع عن السعودية ضد الحوثيين، بينما السعودية نفسها تتفاوض مع إيران في نفس الساعة. ألم يكن هذا كافياً ليراجع الحزب بند الحل الدبلوماسي في بيانه ويرفض بدلاً من أن يمتنع، كما فعل النائب عبد العليم داوود حين قال: "أنا رافض لأني مع الحل الدبلوماسي وخايف المنطقة تنفجر لصالح إسرائيل"؟

هل كان الامتناع موقفاً تكتيكياً ومسكاً للعصا من المنتصف؟ هل مورست ضغوط؟ لا أعرف خلفيات القرار إلا من خلال البيان، لكنه يكاد يتناقض مع موقف الحزب من تيران وصنافير. فتلك تنازل عن أرض مصرية، وهذا إهدار لدماء مصرية في غير موضعها.

أم إن الزمان يغير المواقف المبدئية؟ الحزب في 2017 كان قريباً من ثورة يناير التي صنعته وكان شريكاً فيها، وكانت المبادئ أكثر تماسكاً. وما زالت طازجة والسنون تعودنا على الدبلوماسية والحلول الوسط.

لا أعرف، ولكنه عتاب المحبين

السلطة الرابعة

صوت الشعب