كنت واحدًا من عشرة أعضاء حضروا اجتماعًا مع جمال مبارك، والدكتور مفيد شهاب، الذي كان يشغل وقتها منصب وزير التعليم العالي. استمر الاجتماع أربع ساعات متواصلة، شهدت طرحًا تجميليًا من البعض، وطرحًا نقديًا علميًا صادقًا من البعض الآخر.
وكان من بين ما طرحته وكان ذلك قبل ٢٥ يناير بوقت قليل
تحذيري من أن الساحة السياسية يجري تمهيدها لصراع بين الشرطة والشعب، وأن هناك عناصر تعمل عمدًا على تأجيج العداء بين الطرفين، وبدرجة بالغة الخطورة.
فقال لي جمال مبارك:
«أستاذ عاطف، اضرب مثلًا أو قدم دليلًا على ما تقول».
قلت له: هذا جيد، وما سأذكره الآن شاهد عليه الدكتور مفيد شهاب.
ثم بدأت أروي الواقعة:
في الأسبوع السابق للاجتماع، كان مقررًا تنظيم محاضرة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، يلقيها الإعلامي حمدي قنديل. وفي الموعد المحدد، أُغلقت جميع أبواب جامعة القاهرة باستثناء البوابة الرئيسية، في إجراء كان هدفه منع حمدي قنديل من دخول الجامعة وإلقاء المحاضرة.
لكن المشكلة لم تكن في منع شخص واحد من دخول الجامعة، وإنما في الطريقة التي نُفذ بها القرار.
فطلاب كليات الإعلام ودار العلوم والعلوم والتجارة، الذين اعتادوا الدخول من البوابات القريبة من كلياتهم، فوجئوا بإغلاقها، وطُلب منهم التوجه إلى البوابة الرئيسية للدخول، وهو ما يعني أن بعضهم اضطر إلى قطع مسافة قد تصل إلى ثلاثة كيلومترات سيرًا على الأقدام.
وخلال هذه المسافة، كان الطلاب يلعنون الشرطة التي أغلقت الأبواب، ظنًا منهم أنها صاحبة القرار، وكلما سأل أحدهم: من أغلق الأبواب؟ كانت الإجابة: الشرطة!
وهنا تكمن الخطورة التي كنت أحذر منها؛ فبدلًا من أن يكون الخلاف مع قرار إداري أو مع مسؤول اتخذ قرارًا بمنع محاضرة، جرى تحميل الشرطة مسؤولية المشهد كله، ووضعها في مواجهة آلاف الطلاب دون داعٍ.
وأضفت أنني على يقين بأنه لو جرى التواصل مع الدكتور مفيد شهاب، لكان من الممكن أن ينهي الأمر باتصال هاتفي برئيس الجامعة، وأن يستضيف حمدي قنديل في مكتبه، ويُبلغه بمنع الندوة والاعتذار للطلاب والجمهور،
وينتهي الأمر ببساطة، دون أن تتحول الجامعة إلى ساحة للغضب والاحتقان ضد الشرطة.
وهنا تدخل الدكتور مفيد شهاب، وقال:
«أنا فعلًا مع الأستاذ عاطف، ولو تم التواصل معي لأنهيت الموضوع بصورة مختلفة وأفضل».
كان ذلك مثالًا عمليًا قدمته على ما كنت أحذر منه: أن بعض القرارات الإدارية، وطريقة تنفيذها، قد تصنع عداوة بين الشعب والشرطة، رغم أن تجنبها كان ممكنًا بتصرف بسيط ومسؤول.
**وللأسف، لم يقتنع جمال مبارك بحديثي.**
والي لقاء آخر أروي فيه موقفًا آخر جمعني بجمال مبارك.

صوت الشعب






