لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية الأمريكية الأخيرة مجرد حدث انتخابي عابر، أو تغيير في موازين القوى داخل المؤسسات التشريعية، بل حملت في تقديري رسائل سياسية واجتماعية تتجاوز حدود الولايات المتحدة، وتستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، خاصة فيما يتعلق بوعي الأجيال الجديدة، وتحولات مفهوم المشاركة السياسية، وتراجع ثقافة الخوف.
هناك حقيقة يجب أن يدركها كل من لا يزال يفكر بعقلية الماضي:
هذا الجيل ليس امتدادًا لجيل الخوف، ولا نسخة مكررة من آبائه، ولا يحمل بالضرورة الموروث نفسه من الصمت والحذر والانكسار.
لقد عاشت أجيال سابقة تحت وطأة الخوف، وتعلمت أن الصمت نجاة، وأن الابتعاد عن السياسة حكمة، وأن السلامة أحيانًا أغلى من الحرية.
أما هذا الجيل فقد نشأ في عالم مختلف، يرى ما يحدث في أقصى الأرض لحظة وقوعه، ويتابع تجارب الشعوب، ويكتشف كل يوم أن ما قيل له إنه مستحيل قد يصبح واقعًا.
ولعل ما شهدته الانتخابات الأمريكية من نجاح لافت لعدد من المرشحين من أصول عربية يقدم نموذجًا بالغ الدلالة على هذا التحول.
فحين يصل الأمريكي من أصل مصري عبد المنعم السيد إلى مجلس الشيوخ، ويفوز الأمريكي من أصل مصري آدم حموي بمقعد في مجلس النواب، وتواصل رشيدة طليب، الأمريكية من أصل فلسطيني، حضورها في الكونجرس، فإننا أمام مشهد سياسي يستحق التأمل.
هذه النجاحات ليست مجرد انتصارات انتخابية لأشخاص، بل تعبير عن قدرة المشاركة السياسية المنظمة على تجاوز حواجز الهوية والأصل والخلفية الثقافية، والوصول إلى مواقع التشريع وصناعة القرار.
والأهم من نتائج الانتخابات نفسها هو تأثيرها في وعي الأجيال الجديدة، التي ترى أمامها نماذج حقيقية تؤكد أن السياسة ليست حكرًا على أحد، وأن صناديق الاقتراع يمكن أن تكون طريقًا للتغيير.
فكيف يمكن أن تطلب من شاب عربي يرى أبناء أصوله ينافسون ويفوزون في انتخابات إحدى أكبر دول العالم، أن يقتنع بأن السياسة حكر على فئة، أو أن المشاركة بلا جدوى، أو أن الخوف هو الطريق الوحيد للسلامة؟
إن هذا الجيل يقارن بين ما يراه في العالم وما يعيشه في واقعه، ولم تعد الحدود الجغرافية قادرة على عزل وعيه أو تقييد أحلامه.
لا تراهنوا على ذاكرة الخوف لدى جيل لم يعش تجاربكم، ولا تحاولوا إخضاعه بأدوات الماضي.
هذا الجيل قد يخطئ، وقد يندفع، وقد تختلف معه، لكنه لن يقبل بسهولة أن يُطلب منه الصمت لمجرد أن غيره اعتاد الصمت.
والفارق الحقيقي بين الأجيال ليس في مقدار حبها للوطن، بل في الطريقة التي تفهم بها حقوقها وعلاقتها بالسلطة.
فمن تربّى على الخوف قد يرى في الصمت أمانًا، ومن نشأ وهو يرى العالم مفتوحًا أمامه قد يرى في الصمت تنازلًا عن حقه.
إن أخطر ما يمكن أن ترتكبه أي سلطة هو أن تتصور أن ما أخاف الآباء قادر بالضرورة على إخافة الأبناء، وأن أدوات الماضي تصلح لإدارة المستقبل.
لقد تغير الزمن، وتغيرت العقول، وتغيرت طبيعة الأجيال، لكن بعض من يمارسون السلطة لم يدركوا بعد أن الخوف لم يعد اللغة الوحيدة التي يفهمها الناس.
ولعل أهم توابع الانتخابات الأمريكية، من وجهة نظري، ليست فقط فيمن فاز ومن خسر، وإنما في الرسالة التي تقدمها عن إمكانية المنافسة والمشاركة والوصول إلى مواقع المسؤولية من خلال المؤسسات والانتخابات.
هذا الجيل لا يبحث بالضرورة عن مواجهة، بل عن وطن يتسع لصوته، ودولة تحترم عقله، ومستقبل يكون شريكًا في صناعته.
فلا تطلبوا من الأبناء أن يرثوا خوف الآباء، ولا تتوقعوا من جيل يرى العالم كله أن يقبل العيش خلف جدران الماضي.
إن المستقبل لا تصنعه ثقافة الخوف، ولا تحميه مصادرة الأصوات، وإنما تصنعه مجتمعات تؤمن بحق أبنائها في التفكير والاختلاف والمشاركة.
هذا الجيل صوته أعلى من الخوف، وأحلامه أكبر من القيود، ووعيه أوسع من أن تحاصره أسوار الماضي.

صوت الشعب






