إن الدولة والمؤسسات هما أعظم "اختراع" اجتماعي يحتضن حضارة وهوية وتراث وثقافة وعرف وسياسي بشري نشأ من التفاعل والتواصل بين الناس لترويض الصراع الإنساني وتحويله إلى تعاون إنتاجي، شريطة أن تظل هذه المؤسسات خاضعة لسيادة الدستور و القانون ومعبرة عن العقد الاجتماعي الذي أنشأها.
فنشأة الدولة والمؤسسات لم تأت من فراغ، بل استجابت لدوافع وجودية واجتماعية واقتصادية ملحة ، كضرورة أمنية وحفظ للنوع ، ولحماية البشر و الأرض والعرض والهوية وضمان بقائهم وتفاعلهم وتشاركهم وتوزيع مواردهم بعدالة، وضبط التفاوت الطبقى وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار والإرادة والتخطيط لبناء مستقبلهم وفق ما اجتمعوا عليه من رؤى وقوانين وأعراف وقيم .
لكن الواقع يؤكد على نشوء أزمة جوهرية في فهم وتطبيق فلسفة الدولة المعاصرة، و تحول خطير وموجع في مسار العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين مفهوم "السيادة الوطنية" و"سلطة رأس المال العابر للحدود".
مايحدث ليس خلل إداري عابر، بل هو انقلاب بنيوي على الأسس التاريخية والفلسفية التي قامت عليها أسس الدولة الحديثة التى توافق الجميع على قيامها وفق المعايير والأسس والقيم والقوانين والنصوص التى أقروها ، فتحول الاختيار الواعي للفكر الجمعى وتكوين روابط وعلاقات ومصالح مشتركة لمجموعة من المواطنين على بقعة جغرافية محددة واستثمار واستغلال الموارد والأصول لصالحهم إلى شكل من أشكال الهيمنة سحب كل أرصدتهم فتحول وجودهم إلى عدم وتغير موقفهم من أصحاب حقوق عليهم واجبات إلى دافعى جباية عليهم واجبات بلا أى حقوق :
أولاً: من "سيادة الأمة" إلى "سيادة رأس المال العابر للحدود"
فقد وُلِدت الدولة الحديثة على فكرة أن "الأمة هي مصدر السلطات" وأن الشعب هو المالك الحقيقي للسيادة والإقليم والموارد، وأن الحكام والدستور والبرلمان هم مجرد وكلاء مؤقتون لإدارة هذه الأمانة لصالح المواطنين.
ماذا تغير؟ في ظل النظام الاقتصادي العالمي المعاصر الرأسمالية النيوليبرالية ، تآكل مفهوم السيادة الوطنية لصالح قوى السوق العالمية والشركات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين.
فتحولت الدولة في كثير من الأحيان من "حارس للمصلحة العامة" إلى "مدير أعمال أو وكيل تحصيل او سمسار" لمصلحة الدائنين والمستثمرين الدوليين أو لمصلحتها لقوى هيمنة .
جرى فصل ملكية الدولة عن الشعب؛ فبدلًا من أن تكون الدولة تعبيرًا عن إرادة المواطنين وملكيتهم الجماعية، جرى إعادة هندستها لتصبح مالكًا محتكرًا للأصول، يمكنه التصرف فيها وتسييلها وبيعها لتوفير أقساط خدمة الدين العام وسداد القروض، بمعزل عن أي رقابة شعبية حقيقية.
ثانياً: من "البرلمان كممثل للشعب" إلى "صناعة الواجهة أو المظاهر الشكلية"
افترضت نظرية الفصل بين السلطات أن البرلمان هو الحصن المنيع الذي يمثّل الشعب، يشرع القوانين لحمايته، ويراقب السلطة التنفيذية ويحاسبها باسم الناخبين.
ماذا تغير؟ تحولت المجالس النيابية في كثير من التجارب المعاصرة إلى "أدوات تمرير" (Rubber Stamp) تحتكر بصمة المواطن لكنها تتبع السلطة التنفيذية وتحقق رغباتها من جانب أو لشبكات المصالح المتحالفة مع رأس المال من جانب آخر ، وذلك عبر هندسة قوانين الانتخابات، وإغلاق المجال العام، وتفريغ السياسة من مضامينها الحقيقية.
عندما يفقد البرلمان صفته التمثيلية الحقيقية، تنقلب الوظيفة الدستورية رأساً على عقب؛ فلا يعود مصدراً للتشريع المستمد من إرادة الشعب، بل يصبح مصدراً لشرعنة قرارات فوقية تمس ملكية الأصول العامة، وتبيح بيع الأراضي والموارد، وتمنح امتيازات غير محدودة للأجانب دون نقاش مجتمعي حقيقي أو طعن دستوري نافذ.
ثالثاً: من "المواطنة وحقوق الإنسان" إلى "عقيدة الزبون والمكلف بالجباية"
فعلى الرعم من أن عصر التنوير والعقد الاجتماعي قد أفرز مفهوم "المواطن"، وهو الكائن الذي يتمتع بحقوق أساسية غير قابلة للتصرف، توازن واجباته والتزاماته الضريبية إلا أنه لم يلمس ذلك فعلياً .
ماذا تغير؟ حدث انزياح دلالي وقانوني خطير نحو مفهوم "المستهلك أو الزبون" (Consumer)، بل والمكلف بالأعباء:
من مواطن له حقوق، ومساءلة سياسية، ويملك حق الاعتراض والرفض ، إلى الزبون / الدافع للضرائب ليس له سوى فاتورة يدفعها مقابل خدمات تتآكل باستمرار صحة، تعليم، مرافق،دون رغبته بينما تتحمل الأغلبية تكاليف الديون والسياسات الاقتصادية الفاشلة عبر التضخم وارتفاع الأسعار، بلا عائد حقيقي أو أمان اجتماعي.
في هذا النموذج، يصبح الشعب محروماً من ثرواته الأصلية لأنها تُباع، ومحملاً بالديون لأنها تُقترض باسمه، مضغوطاً فى ممن تملكوا وطنه وحقوقه عبر التملك أو التجنس أو التوطن بل وتميزوا نتيجة تواطؤ السلطة معهم كفئة تمتلك ما لايمتلكه المواطن الذى أصبح مجرداً من أدوات التعبير والتغيير والرقابة لأن المؤسسات تمثل السلطة ولا تمثله هو.
رابعاً: قوانين التملك والتجنيس وتآكل الديمومة الوطنية
كانت شروط تملك الأجانب للأراضي والموارد تخضع لمعايير صارمة تحمي الأمن القومي وتصون الثروات للأجيال القادمة، وكان التجنيس رابطاً سيادياً يعبر عن الاندماج والانتماء العميق للوطن.
ماذا تغير؟ دفع شح الموارد وتفاقم أزمات الديون الخارجية إلى سنّ قوانين استثنائية مفتوحة التمليك بيع الأراضي والعقارات والأصول الاستراتيجية بلا سقف زمني أو مكاني، وتحويل الجنسية إلى "سلعة استثمارية" تُمنح مقابل ودائع أو عقارات أو استثمارات مالية.
هذا التحول يُفرغ مفهوم "الوطن" من محتواه القومي والتاريخي، ويحوله إلى "أصول عقارية وتجارية" معروضة للبيع في مزاد عالمي، بينما يتحول السكان الأصليون إلى عمالة رخيصة أو ضيوف في وطنهم، يعانون من غلاء المعيشة وبيع المستقبل.
بإختصار نحن لسنا بصدد "انهيار" الدولة بمعناها المادي والجيوسياسي فحسب، بل بصدد "اغتيال العقد الاجتماعي" وتفريغ المؤسسات من جوهرها الوظيفي والأخلاقي لصالح قوى طبقات مالية محلية ودولية متحررة من أي التزام وطني أو أخلاقي تجاه الشعوب.
فما المخرج أو الآلية لاستعادة توازن العلاقة بين المجتمع والمؤسسات في ظل هذه المعادلة المعقدة؟

صوت الشعب






