مقالات الرأي

ألف يومٍ من النزيف الصامت.. في الذكرى الأولى لرحيل أبي

ألف يومٍ من النزيف الصامت.. في الذكرى الأولى لرحيل أبي

تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لرحيلك يا أبي، ولا أستطيع أن أسميها «سنة» بالمعنى الذي تعرفه التقاويم؛ فما مرّ منذ غيابك لم يكن عامًا من الزمن، بل دهرًا كاملًا من الذهول، وألف يومٍ من النزيف الصامت، ووجعًا يتجدد كل صباح كأن لحظة الرحيل لم تنتهِ بعد.

عامٌ كامل انقضى، لكنه كان أثقل من أعوام العمر كلها..عامٌ تعلّمنا فيه أن بعض الغياب لا يُقاس بالمسافة، وأن بعض الفقد لا يخففه مرور الأيام، لأن الذين كانوا جزءًا من معنى الحياة لا يغيبون حين يرحلون، بل يتركون وراءهم فراغًا لا يستطيع العالم كله أن يملأه.

ألف يومٍ من النزيف الصامت.. في الذكرى الأولى لرحيل أبي
ألف يومٍ من النزيف الصامت.. في الذكرى الأولى لرحيل أبي

غبتَ بالجسد يا أبي، لكنك لم ترحل منا.

ما زلت حاضرًا في تفاصيلنا الصغيرة، في كلماتنا، في ملامحنا، في طريقة حديثنا، وفي أشياء كثيرة نفعلها دون أن ندرك أننا ورثناها منك؛
مازال صوتك يسكن الذاكرة، وما زالت مواقفك تُراجعها الروح كلما أرهقتها الحياة، وكأنك لم تتركنا تمامًا، بل تركت فينا شيئًا منك يكفي لأن تظل حاضرًا ما بقينا.

لقد أدركنا بعد رحيلك كم كانت الحياة أكثر أمانًا بوجودك؛ كنت السند الذي لا نفكر في احتمال سقوطه، والجدار الذي نحتمي به دون أن نسأل من يحمي الجدار نفسه.. كنت الطمأنينة التي لم نعرف قيمتها إلا عندما افتقدناها، واليد التي كانت تمتد في الوقت الذي نظن فيه أن لا أحد سيأتي.

كنت يا أبي أكبر من مجرد رجل في زحام الرجال.

كنت حالة نادرة من النقاء، وعنوانًا للعزة والشهامة والحنان، كنت تعطي بلا حساب، وتحتمل فوق طاقتك، وتضحي من أجل الآخرين دون أن تنتظر اعترافًا أو مقابلًا!

حتى الذين لم يعرفوا قيمة عطائك، لم يستطيعوا أن يغيروا شيئًا من معدن قلبك؛ لأن الكبار لا يصنعون الخير وفق استحقاق الآخرين، وإنما وفق أصالتهم هم.

كنت الشجرة التي يستظل بها الجميع، والجدار الذي يحمي الجميع، والقلب الذي يتسع للجميع.

وكم يؤلمني اليوم أن أكتشف أن بعض الأشياء لا نعرف عظمتها إلا بعد أن نفقدها.

أكتب إليك اليوم وأنا عاجز أمام حجمك في ذاكرتي، وعاجز أكثر أمام سؤال بسيط كيف يمكن للكلمات أن تختصر رجلًا كان بالنسبة إلينا وطنًا؟

كيف أصف أبًا لم يكن مجرد أب، بل كان سندًا ومرجعًا وطمأنينة؟! كيف أختصر عمرًا من العطاء في بضعة أسطر؟! وكيف يمكن للحروف أن تحمل هذا الكم من الحب، وهذه المساحة الهائلة من الغياب؟!!!

لذلك ربما تكون أصدق الكلمات هي تلك التي قالها الكتاب المقدس:«طُوبَى لِلْحَزَانَى، لِأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ».

نتمسك بهذه الكلمات اليوم لا لأن الحزن صار أقل، ولا لأن الزمن استطاع أن يمحو الوجع، وإنما لأن إيماننا يقول لنا إن الموت ليس الكلمة الأخيرة، وإن من نحبهم في الرب لا ينتهون عند حدود القبر.

وفي قلب هذا الفقد، تبقى كلمات المسيح أكثر قوة من كل محاولاتنا لفهم الموت:«أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا».

ومن هنا، يا أبي، نحاول أن نواصل الطريق.. لا أقول إن الزمن شفى جراحنا؛ فالزمن لم يفعل؛ لكنه علّمنا أن نحمل غيابك بدلًا من أن نحاول الهروب منه، وأن نحول الحزن إلى وفاء، والاشتياق إلى سيرة، والدموع إلى عهد بأن نعيش كما علمتنا.

نعدك أن نحافظ على ما تركته فينا من كرامة ونقاء وأصل طيب، وأن يظل اسمك حاضرًا في بيوتنا وقلوبنا، وأن تكون تربيتك هي الإرث الذي نحمله لا الكلمات التي نقولها عنك.

يا أبـي الحبيب...
مرّ عام على رحيلك، لكن القلب لا يزال يقف عند لحظة الوداع.

ولا يزال السؤال نفسه يطرق أبواب الروح: لماذا رحلت بهذه السرعة؟

وربما لا نملك الإجابة هنا..
لكننا نملك الإيمان، ونملك الذكرى، ونملك الحب الذي لا يموت.

سلام على روحك يا أبي، سلام على وجهك الذي ما زالت الذاكرة تحتفظ بتفاصيله، سلام على يديك اللتين تعبتا من أجلنا، وسلام على قلبك الذي أعطى أكثر مما أخذ.

رحلت عن أعيننا، لكنك لم ترحل عن أرواحنا.

وسيبقى اسمك فينا ما بقي فينا نفس.

إلى أن نلتقي من جديد... في حضرة الله، حيث لا فراق، ولا موت، ولا دموع.

السلطة الرابعة

صوت الشعب