العمرة فى عصر «الاستورى»
فى مكة حيث يفترض أن يضيق العالم حتى لا يبقى فيه إلا الله والإنسان ، اتسع العالم فجأة داخل شاشة صغيرة.
هاتف يعلو فوق الرؤوس ، عدسة تبحث عن الزاوية ،
وجه يبتسم أمام الكعبة ، يد تضغط زر التسجيل ، ثم يبدأ البث.
فى الطرف الآخر من الشاشة ، جمهور لا يعرف صاحبه ولا يعرف ما يحمله قلبه ، لكنه يشاهد: معتمراً أمام الكعبة.
ربما تبدو الصورة عادية ،
لكنها ، إذا تأملناها طويلًا ، تقول شيئًا أكبر من الصورة نفسها ،
تقول إن الإنسان المعاصر لم يعد يكتفى بأن يعيش اللحظة؛
يريد أن يثبت أنه عاشها.
وهنا تبدأ الحكاية.
لم تكن العمرة يوماً رحلة إلى مكان فحسب ، إنها رحلة إلى الداخل؛ إلى المنطقة التى يخفى فيها الإنسان ما لا يستطيع قوله للناس ، فيذهب محملًا بما لا يراه أحد: ذنوباً ، خوفًا ، فقداً ، رجاءً ، أسئلة مؤجلة ، وطلبات لا يعرف كيف ينطق بها.
ثم يصل؛؛
فى اللحظة التى تقع فيها العين على الكعبة ،
يفترض أن تسقط أشياء كثيرة من الإنسان: اسمه ، منصبه ،
صورته الاجتماعية ، ضجيج يومه ، حاجته إلى إثبات ذاته ،
لكن فى زمن الشاشة ، ثمة شئ آخر قد يحدث ،
قد يسقط الهاتف من اليد ثم يعود إليها ،
لأن الإنسان الذي خرج من عالم الضجيج لم يترك الضجيج خلفه بالكامل ، لقد حمله معه.
ليس المقصود أن كل صورة أمام الكعبة رياء ،
ولا أن كل من استخدم هاتفه فى الحرم حوّل عبادته إلى استعراض ،
النيات ليست مادة للصحافة ، ولا يملك إنسان مفتاحها.
لكن الصحافة لا تحاكم النيات؛ إنها تتأمل الظواهر ،
والظاهرة التى تستحق التأمل هى أننا دخلنا زمناً أصبحت فيه التجربة الإنسانية كلها تقريباً قابلة للتحويل إلى محتوى.
نصور الطعام لأننا أكلناه ،
نصور السفر لأننا سافرنا ،
نصور الفرح لأننا سعداء ،
وأحيانًا نصور الحزن لأننا نريد أن يعرف العالم أننا نتألم ،
حتى العبادة لم تعد بعيدة عن هذا المنطق ،
وهنا تصبح المسألة أكبر من «سيلفى» ،
إنها مسألة ثقافة كاملة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ولحظته.
في عالم المنصات ، لا تكفي التجربة ، ينبغى أن تكون قابلة للمشاهدة ، ولا يكفي أن تكون مؤثرة ، ينبغى أن تكون قابلة للمشاركة.
ولا يكفى أن يعيش الإنسان لحظته ،
ينبغى فى كثير من الأحيان أن يحولها إلى قصة قصيرة ،
أو مقطع ، أو بث مباشر ، ثم ينتظر حكم الجمهور عليها بالأرقام.
هكذا دخل «اقتصاد الانتباه» إلى أكثر مناطق الإنسان خصوصية.
المشاهدات أصبحت لغة ،
الإعجابات أصبحت شهادة ،
المتابعون أصبحوا رأسمالًا ،
والانتشار أصبح معيارًا خفيًا لقيمة الأشياء ،
لكن هناك أماكن لا ينبغى أن تقاس قيمتها بالأرقام ،
والحرم واحد منها.
المشكلة الحقيقية ليست أن الإنسان يصور ،
المشكلة أن الكاميرا قد تصبح حاضراً داخلياً حتى عندما لا تكون فى يده ، يبدأ الإنسان التفكير فى اللقطة قبل أن يعيشها.
فى زاوية الصورة قبل معنى المشهد ، فى عنوان المنشور قبل أثر اللحظة ، وفى رد فعل الجمهور قبل أن يسمع صوته الداخل ، عندها يحدث شئ بالغ الدقة: لا يعود الإنسان يعيش اللحظة وحده ، بل يعيشها وهو يتخيل كيف سيبدو فى عيون الآخرين ،
وهذا هو جوهر المسألة.
أن تتحول العبادة من علاقة إلى صورة عن العلاقة ،
ربما يكون أخطر ما فعلته وسائل التواصل الاجتماعى أنها جعلت الإنسان يراقب نفسه باستمرار ، لم يعد يحتاج إلى جمهور واقف أمامه ، يكفى أن يعرف أن الكاميرا تعمل .
أن هناك من سيشاهد ، أن هناك من سيعلق ،
أن هناك من سيعجب ، فيتحول الآخر حتى وهو غائب ،
إلى حضور داخل الوعى ،
وهكذا قد يقف الإنسان أمام الكعبة ، بينما جزء من ذهنه يقف فى مكان آخر تماما: كم شاهدوا؟
من كتب؟ هل أعجبهم الفيديو؟
هل وصل «اللايف» إلى عدد كبير؟
وفى تلك اللحظة ، لا يعود السؤال عن التكنولوجيا ،
بل عن الانتباه الذى سرقته التكنولوجيا من الإنسان.
فالعبادة فى جوهرها ، لا تحتاج إلى جمهور ،
أكثر لحظاتها صدقاً هى تلك التى لا يعرف بها أحد.
دعاء لم يُسجل ، دمعة لم تُصور ، سجدة لم تُنشر ،
لحظة ضعف لم تتحول إلى قصة ،
إنها المساحة التى لا يدخلها إلا الإنسان وربه ،
وفي زمن أصبحت فيه الخصوصية نفسها نوعاً من الرفاهية ، قد يكون الاحتفاظ بلحظة واحدة خارج الإنترنت فعلًا من أفعال المقاومة الروحية.
أن تقول لنفسك: هذه اللحظة لى وليست للجمهور ،
والعمرة لا تُقاس بعدد الصور التة خرجت من مكة ،
بل بما خرج من الإنسان نفسه ،
قد يعود شخص وفى هاتفه ألف صورة ، لكنه يعود بالشخصية ذاتها ، بالغضب ذاته ، بالقسوة ذاتها ، وبالفراغ ذاته.
وقد يعود آخر بلا صورة واحدة ، لكنه يعود أكثر رحمة ،
وأقل غروراً ، وأكثر تصالحاً مع نفسه ، وأشد خوفًا من أن يظلم إنسانًا .
أي الرحلتين كانت أعمق؟
السؤال ليس من حقنا أن نجيب عنه نيابة عن الله ،
لكن من حقنا أن نسأله ، ربما علينا أن نعيد تعريف «توثيق العمرة».
ليس التوثيق الحقيقى أن نثبت أننا وقفنا أمام الكعبة ،
التوثيق الحقيقى أن تثبت الأيام التالية أن الكعبة مرت من خلالنا ، أن يتغير شئ فى طريقة كلامنا ، فى غضبنا ،
فى تعاملنا مع الضعفاء ، فى علاقتنا بأهلنا ، فى قدرتنا على الصفح ، فى الأشياء التى كنا نعرف خطأها ثم عدنا إليها ،
فالرحلة التى تنتهى عند بوابة المطار لم تصل بعد إلى معناها الكامل ،
المعنى يبدأ عندما يعود الإنسان إلى حياته العادية ،
ويكتشف أن شيئاً داخله لم يعد عادياً .
لذلك، لا تحتاج القضية إلى حرب على الهواتف ،
ولا إلى اتهام المعتمرين ، ولا إلى شيطنة مواقع التواصل ،
نحتاج فقط إلى سؤال واحد قبل أن نفتح الكاميرا : لماذا؟
لماذا أصور؟ لأحتفظ بذكرى؟ لأطمئن من أحب؟
أم لأثبت للآخرين أننى كنت هناك؟
السؤال بسيط.
لكن إجابته قد تكشف للإنسان شيئاً عن نفسه لا تكشفه له آلاف الصور ،
وفى النهاية ، قد تكون أجمل صورة فى العمرة هى تلك التى لم تُلتقط ، أن تقف أمام الكعبة طويلًا ،
أن تضع الهاتف في جيبك ، أن تتوقف عن التفكير في الجمهور ، أن تنسى العالم للحظات.
ثم تنظر ، لا إلى شاشة ، ولا إلى عدسة ، ولا إلى نفسك ،
بل إلى البيت ،
وتدرك أن هناك لحظات فى الحياة لا تحتاج إلى أن يراها أحد كى تكون حقيقية ، فالصورة تحفظ ملامح اللحظة ،
أما العبادة الحقيقية ، فإنها تترك ملامحها على الإنسان.

صوت الشعب






