لم يكن افتتاح سد جوليوس نيريري في تنزانيا سوى نموذج مصري مناسب للتعاون مع دول حوض النيل، في مواجهة التصريحات الإثيوبية غير المسؤولة على لسان وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هبتامو إتيفا، التي أثارت موجة غضب واسعة، بتصريحات أدلى بها في منتصف أغسطس الماضي، زعم فيها أن تدفقات مياه نهر النيل إلى دولتي المصب، مصر والسودان، ستكون تحت السيطرة الإثيوبية بفضل سد النهضة، معلنًا عن نية بلاده بناء سدود إضافية على مجرى النهر.
وتكشف تلك التصريحات عن الوجه الحقيقي لما كانت تدعيه إثيوبيا من أن السد الإثيوبي يهدف إلى التنمية والتعاون مع دولتي المصب، وأنه لا يضر بالدول المشاركة معها في النهر، كما تأتي في إطار نهج إثيوبي للتغطية على الظروف السياسية التي تمر بها البلاد، نتيجة التمرد وتجدد التوتر في إقليم تيجراي.
وصفت القاهرة التصريحات الإثيوبية بأنها تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وتعكس «أوهام الهيمنة» على نهر دولي مشترك، فيما أشار وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى أن لمصر حق الدفاع الشرعي عن النفس للحفاظ على أمنها المائي.
كما أكد وزير الخارجية أن مصر لن تسمح بإقامة سدود إضافية في إثيوبيا أو اتخاذ أي إجراءات أحادية أخرى، وأن هذا موقف مصري واضح، مؤكدًا أن مصر لن تدخل في مهاترات مع أي طرف قد يستهدف التشويش على الأوضاع الداخلية.
إن اختبار مصر في ملف مياه النيل، واستخدامها كورقة ضغط على صانع القرار المصري، يمثل أمرًا بالغ الخطورة، خاصة أن النيل يُعد شريان حياة الشعب المصري ومسار التنمية، كما كان ولا يزال، على مر التاريخ، الشريان الرابط بين حضارات منطقة حوض النيل.
ويجدر بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية تدخلت، من خلال الرئيس دونالد ترامب خلال فترة رئاسته الأولى، عندما عقد اجتماعًا على مستوى وزراء الري والمياه للدول الثلاث في عام 2020.
ومنذ ذلك التاريخ، عُقدت مجموعة من المباحثات الثلاثية بين إثيوبيا ومصر والسودان، والتي باءت بالفشل، حول اتفاق يحدد قواعد الملء والتشغيل وتبادل البيانات للتعامل مع فترات الجفاف الممتد.
ولكن، كما رأينا على مدار الـ15 عامًا الماضية، فإن فخ الصراع بدأته إثيوبيا بشروعها في بناء السد الإثيوبي دون الرجوع إلى دولتي المصب، وفقًا لما نصت عليه مواد القانون الدولي المنظمة للأنهار الدولية.
ولم يكن من الغريب إصدار مثل تلك التصريحات وسط التخبط العالمي والحروب المشتعلة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، والدور المصري الراسخ في دعم مبدأ السلم والأمن في المنطقة، ورفضه أي دور مغاير لعقيدته السياسية والعسكرية.
ولكن، بعيدًا عن التصريحات السياسية، لفت انتباهي ما أدلى به الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، وأحد أبرز علماء المياه على المستوى الدولي، من حقائق عُدت شفافية لم نعتد عليها في مصر.
فوسط أصوات كثيرة وكتّاب كثر وخبراء يكتبون عن السد الإثيوبي ويبرزون جوانبه السلبية، كانت المعلومة والحقائق الفنية غالبًا غائبة عن مصدرها الأصيل ومطبخ صنع القرار الفني المسؤول عن إدارة شريان الحياة المصري، نهر النيل.
حيث صرح الدكتور سويلم، أثناء توجهه إلى تنزانيا لحضور فعاليات افتتاح سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية:
«هذا ليس افتتاحًا عاديًا، بل نموذج حقيقي للتعاون بين دولة منبع ودولة مصب؛ التمويل تنزاني، والخبرة والمعرفة مصرية، والنتيجة مكسب مشترك وتنمية يستفيد منها الجميع».
كما أكد أن «سد جوليوس نيريري نموذج مشرف للتعاون بين مصر ودول حوض النيل، على عكس سد النهضة، الذي انتهج قرارًا أحاديًا لا يحترم الأعراف الدولية ولا القانون الدولي، وهو بالنسبة لمصر غير شرعي، ويؤجج النزاع بين الأشقاء الأفارقة».
وأضاف:مصر تؤمن بأن دول حوض النيل تستطيع أن تحقق التنمية معًا، من خلال التعاون واحترام قواعد القانون الدولي والأعراف والمعايير الدولية، بما يحقق المصالح المشتركة لجميع الدول.
كما قال: ما تنفذه مصر في تنزانيا وغيرها من دول حوض النيل رسالة عملية للعالم: مصر دولة تنمية وتعاون وصداقة، وتقدم نموذجًا حقيقيًا للتنمية المشتركة، وليس مجرد كلام نظري.
وجاءت هذه التصريحات المدروسة علميًا وسياسيًا استكمالًا لتصريحاته السابقة بأن الوزارة لديها لجنة فنية دائمة لإيراد النهر، تضم عددًا من الخبراء والعلماء في هذا المجال، وتجتمع أسبوعيًا لحساب الكميات الواردة من نهر النيل، والتي تختلف وفقًا للموسم والاحتياج.
كما أن هناك قطاعًا لمياه النيل يقوم بإعداد تنبؤات تساعد على صنع القرار على أسس علمية بحتة، من خلال نماذج رياضية معقدة، ويتم ذلك بشكل يومي.
وأشار أيضًا إلى أن عدم وجود إطار قانوني ملزم مع الجانب الإثيوبي حول سد النهضة يؤدي إلى وجود اضطرابات في التصرفات التي تصل إلى السودان، وبالتالي فإن مشغّل السد السوداني يتعامل دون معرفة مسبقة، بسبب عدم وجود تبادل للبيانات مع الجانب الإثيوبي، مما يؤدي إلى خلل في إدارة السدود والتحكم في المياه، مؤكدًا أن السد العالي يشكل حجر الأمان لعدد من السنوات التي يمكن أن يحدث فيها جفاف.
ربما هذا الجانب من تصريحات الدكتور سويلم، الذي يمثل فيه الجانب التقني والمسؤول عن إدارة ملف المياه، يجعلنا نفكر في إيجاد حلقة وصل بين الكتّاب والمؤثرين المصريين والمهتمين بالشأن المائي المصري وبين وزارة الموارد المائية والري، لتوحيد الرسالة الإعلامية، في ظل وجود مصدر للمعلومة الفنية يصرح بها بكل شفافية وحيادية.
وهو ما يسمح بمعرفة الحقيقة للشارع المصري، وتوحيد الجهود للحفاظ على مقدرات الوطن من مياه النيل، والحفاظ على مجرى النهر من الممارسات السلبية، من تلوث وتعديات، خاصة في ظل الفقر المائي الذي تعاني منه مصر.
ربما قُدِّر لمصر أن تكون دائمًا صانعةً للتاريخ، خاصة في وقت الأزمات، ولا أجد مجالًا للشك في أن أغلب تلك الأزمات مفتعلة من أصحاب المصالح الدولية والفاعلين على الساحة الدولية، لمحاولة طمس أو تشويه قوة مصر، سواء على مستوى عبقرية المكان الجغرافي، أو تراثها التاريخي، أو قوتها الناعمة، التي بلا شك سيكون لها تأثير كبير على الحاضر والمستقبل العالمي.
ولنا في ذلك مجال آخر، وإن كنت لا أشك في أن قيادة العالم ستكون بلا منازع من بلادنا المحروسة. ومن هنا يأتي الاختبار؛ لأن من لن ينجح في ذلك المسار الصعب في قيادة المنطقة والعالم إلا من يجتاز جميع الأزمات بحرفية.

صوت الشعب






