فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ، وَمُنْذُ ثَلاَثَةٍ وَخَمْسِينَ عَامًا، انْطَلَقَتِ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِلْمَجْدِ؛ لِتَصْنَعَ إِحْدَى أَكْثَرِ الصُّوَرِ إِذْلاَلاً فِي تَارِيخِ جَيْشِ الاِحْتِلاَلِ الإِسْرَائِيلِيِّ، وَتَظَلَّ تَذْكِرَةً دَائِمَةً بِالهَزِيمَةِ النَّكْرَاءِ حِينَ قَرَّرَتْ مِصْرُ أَنْ تُحَارِبَ وَتَسْتَرِدَّ أَرْضَهَا وَكَرَامَتَهَا.
تَجَسَّدَتْ هَذِهِ المَلْحَمَةُ فِي مَوْقِعِ "لِسَانِ بُورِتَوْفِيقَ"، وَهُوَ أَعْتَى وَأَشَدُّ حُصُونِ "خَطِّ بَارْلِيفَ" المَنِيعَةِ عِنْدَ المَدْخَلِ الجَنُوبِيِّ لِقَنَاةِ السُّوَيْسِ.
وَمَعَ الضَّرْبَةِ الأُولَى لِلْحَرْبِ فِي السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ 1973، صَدَرَتِ الأَوَامِرُ الصَّارِمَةُ لِرِجَالِ الكَتِيبَةِ (43) صَاعِقَةً، بِقِيَادَةِ الرَّائِدِ البَطَلِ "زَغْلُولِ فَتْحِي"، بِإِحْكَامِ الحِصَارِ التَّامِّ عَلَى الحِصْنِ وَاقْتِحَامِهِ وَأَسْرِ كُلِّ مَنْ فِيهِ.
وَبِالْفِعْلِ، فَرَضَ أُسُودُ الصَّاعِقَةِ الْمِصْرِيَّةِ طَوْقًا نَارِيًّا مُرْعِبًا وَمُحْكَمًا حَوْلَ الْمَوْقِعِ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الْمَؤُونَ وَالْإِمْدَادَاتِ، لِيَتَحَوَّلَ الْحِصْنُ إِلَى قَفَصٍ مَغْلُوقٍ تَحْتَ وَابِلٍ لَا يَتَوَقَّفُ مِنَ الْقَصْفِ الْمِدْفَعِيِّ الْمِصْرِيِّ الْمُرَكَّزِ.
عَلَى مَدَى أُسْبُوعٍ كَامِلٍ، حَاوَلَ جَيْشُ العَدُوِّ بَذْلَ كُلِّ مَا فِي وُسْعِهِ لِفَكِّ الحِصَارِ عَنْ جُنُودِهِ، لَكِنَّ جُهُودَهُمْ تَبَخَّرَتْ أَمَامَ بَسَالَةِ رِجَالِ الصَّاعِقَةِ.
وَوَفْقًا لِمُذَكَّرَاتِ الْمُشِيرِ مُحَمَّد عَبْدِ الْغَنِيِّ الْجَمَسِيِّ (رَئِيسِ عَمَلِيَّاتِ الْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ الْمِصْرِيَّةِ أَبَّانَ الْحَرْبِ)، فَقَدْ سَجَّلَتْ أَجْهِزَةُ الِاسْتِطْلَاعِ الْمِصْرِيَّةُ اسْتِغَاثَاتِ قَائِدِ الْمَوْقِعِ وَصُرَاخَهُ هَلَعًا عَبْرَ اللَّاسِلْكِيِّ وَهُوَ يَتَوَسَّلُ قَادَتَهُ فِي قِيَادَةِ الْجَبْهَةِ الْجَنُوبِيَّةِ.
وَبِحَسَبِ اليَوْمِيَّاتِ المَنْشُورَةِ لِلْجِنِرَالِ الإِسْرَائِيلِيِّ "يِسْرَائِيلَ تَال" (نَائِبِ رَئِيسِ الأَرْكَانِ أَثْنَاءَ الحَرْبِ)، فَقَدْ حَاوَلَتْ قُوَّةٌ بَحْرِيَّةٌ إِسْرَائِيلِيَّةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ (6) قَوَارِبَ مَطَّاطِيَّةٍ وَ(3) لِنْشَاتٍ الوُصُولَ لِلْحِصْنِ فِي 11 أُكْتُوبَرَ، لَكِنَّ المُحَاوَلَةَ أُبِيدَتْ وَانْكَسَرَتْ تَحْتَ نِيرَانِ القُوَّاتِ المِصْرِيَّةِ.
وَأَمَامَ هَذَا العَجْزِ الكَامِلِ، وَفِي 12 أُكْتُوبَرَ، أَدْرَكَتِ القِيَادَةُ الإِسْرَائِيلِيَّةُ اسْتِحَالَةَ الإِنْقَاذِ، فَأَصْدَرَتْ أَمْرَهَا لِقَائِدِ المَوْقِعِ المُلَازِمِ الأَوَّلِ "شْلُومُو أُورْدِينِسْت" بِالاِسْتِسْلاَمِ الفَوْرِيِّ لِلْقُوَّاتِ المِصْرِيَّةِ.
وَكَانَتِ الْمُفَارَقَةُ السَّاخِرَةُ أَنَّ قُوَّاتِ الِاحْتِلَالِ الْمَذْعُورَةَ مِنْ بَطْشِ أُسُودِ الصَّاعِقَةِ، رَفَضَتِ الْخُرُوجَ أَوِ الِاسْتِسْلَامَ إِلَّا بِحُضُورِ الصَّلِيبِ الْأَحْمَرِ وَالْمُنَظَّمَاتِ الدَّوْلِيَّةِ لِضَمَانِ سَلَامَتِهِمْ.
وَلَكِنَّ هَذَا الشَّرْطَ كَانَ هَدِيَّةً قَيِّمَةً لِلشَّعْبِ المِصْرِيِّ؛ إِذْ جَلَبَ كَامِيرَاتِ الإِعْلَامِ العَالَمِيِّ وَالمُرَاسِلِينَ الأَجَانِبَ لِيُوَثِّقُوا المَشْهَدَ التَّارِيخِيَّ المُهِينَ: الضَّابِطُ الإِسْرَائِيلِيُّ يَقِفُ مُنْكَسِرًا وَصَاغِرًا، يُؤَدِّي التَّحِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ لِلْبَطَلِ المِصْرِيِّ "زَغْلُولَ فَتْحِي"، وَيُسَلِّمُهُ العَلَمَ الإِسْرَائِيلِيَّ مَطْوِيًّا، لِيُرْفَعَ العَلَمُ المِصْرِيُّ شَامِخًا مَكَانَهُ، وَتُسَجِّلَ عَدَسَاتُ العَالَمِ وَثِيقَةً خَالِدَةً تُذَكِّرُهُمْ دَائِمًا بِمَا فَعَلَهُ المِصْرِيُّونَ.
فَلْيَقْرَأِ العَالَمُ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ جَيِّدًا، وَلْتُتَرْجَمْ هَذِهِ الوَثِيقَةُ لِكُلِّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الجُغْرَافِيَا أَوِ التَّارِيخَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْسَيَا.

صوت الشعب






