مقالات الرأي

دُمُوعٌ عَلَى أَعْتَابِ الرَّحِيلِ: لِمَاذَا نُؤَجِّلُ الْحُبَّ حَتَّى يَفُوتَ الْأَوَانُ، وَنَكْتُبُ الْمَدَائِحَ عَلَى جُدْرَانِ الْمَقَابِرِ؟

دُمُوعٌ عَلَى أَعْتَابِ الرَّحِيلِ: لِمَاذَا نُؤَجِّلُ الْحُبَّ حَتَّى يَفُوتَ الْأَوَانُ، وَنَكْتُبُ الْمَدَائِحَ عَلَى جُدْرَانِ الْمَقَابِرِ؟

أَقِفُ مَشْدُوهًا أَمَامَ ظَاهِرَةٍ تُكَرِّرُ نَفْسَهَا بِقَسَاوَةٍ مَا بَيْنَ مَنْشُورَاتِ الْعَزَاءِ وَسُرَادِقَاتِهِ؛ حَيْثُ يَتَفَنَّنُ أَقَارِبُ مَنْ يَرْحَلُ وَذَوُوهُ، فَأَسْمَعُهُمْ يُفِيضُونَ فِي الذِّكْرِ الْجَمِيلِ، وَيَتَبَارَوْنَ فِي تَعْدَادِ مَحَاسِنِهِ، وَيَنْثُرُونَ كَلِمَاتِ الثَّنَاءِ وَالْوَفَاءِ، مُتَمَنِّينَ لَوْ أَنَّ الزَّمَانَ يَعُودُ قَهْقَرَى لِيَحْظَوْا بِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ لِيُعَبِّرُوا فِيهَا عَنْ حُبِّهِمْ، كَأَنَّمَا كَانُوا فِي غَفْلَةٍ دَهْرًا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا عَلَى صَفْعَةِ الْمَوْتِ.
فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْحَزِينَةِ، يَتَرَدَّدُ فِي صَدْرِي صَوْتٌ مَلِيءٌ بِالتَّأَمُّلِ وَالْأَسَى، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ! لِمَاذَا نَحْرِمُ الْأَحْيَاءَ مِنْ دِفْءِ كَلِمَاتِنَا، ثُمَّ نُنْفِقُهَا بِسَخَاءٍ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ بَثُّوا لَهُ عُشْرَ هَذَا الْوِدِّ فِي حَيَاتِهِ وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَهُمْ، وَأَسْمَعُوهُ ذَلِكَ الثَّنَاءَ وَقَلْبُهُ بَعْدُ يَنْبِضُ؛ لَرُبَّمَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ، وَتَلَاطَفَتْ مَشَاقُّ عُمْرِهِ، وَلَعَاشَ بَيْنَهُمْ فِي رَاحَةِ بَالٍ وَسَكِينَةٍ يَخُوضُ بِهَا مَعَارِكَ الْحَيَاةِ، أَوْ لَرُبَّمَا امْتَدَّتْ بِهِ أَيَّامُ الْحَيَاةِ طُمَأْنِينَةً وَأَمَلًا.
إِنَّهَا لَطَمَّةٌ لِلْوَعْيِ أَنْ نَكُونَ بُخَلَاءَ بِالْمَشَاعِرِ مَعَ الْأَحْيَاءِ، سُخَفَاءَ بِالدُّمُوعِ وَالْمَدِيحِ عَلَى الْأَمْوَاتِ! نَنْتَظِرُ حَتَّى تُغْلَقَ الْأَعْيُنُ كَيْ نَبْكِيَهَا، وَحَتَّى تَتَوَقَّفَ الْأَفْوَاهُ عَنِ الْكَلَامِ كَيْ نُسْمِعَهَا جَمِيلَ الْقَوْلِ؛ فَلِمَاذَا نُحَاصِرُ مَنْ نُحِبُّ فِي حَيَاتِهِمْ بِالصَّمْتِ أَوِ الْجَفَاءِ، ثُمَّ نَبْنِي لَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ قُصُورًا مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَا يَسْمَعُونَهَا؟
أَيُّهَا النَّاسُ: لَا تُؤَجِّلُوا عِطْرَ الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَةِ حَتَّى يَنْطَفِئَ النُّورُ! قُولُوا لِلْمُحْسِنِ فِي حَيَاتِهِ: "أَحْسَنْتَ وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا"، وَاعْتَرِفُوا لَهُ بِمَكَانَتِهِ فِي قُلُوبِكُمْ قَبْلَ أَنْ يُوَارِيَهُ التُّرَابُ؛ فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ فِي صَدْرِ الْحَيِّ حَيَاةٌ، وَفِي أُذُنِ الْمَيِّتِ صَدًى حَزِينٌ لَا يَرُدُّ الْغَائِبِينَ.
امْنَحُوا الْأَحْيَاءَ وَرْدَةً يَشَمُّونَ أَرِيجَهَا الْيَوْمَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَضَعُوا عَلَى قُبُورِهِمْ أَلْفَ إِكْلِيلٍ لَا يَرَوْنَهُ! فَالْحُبُّ الْمَبْذُولُ فِي الْحَيَاةِ دَوَاءٌ وَسَكَنٌ، أَمَّا الْمَدِيحُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَيْسَ سِوَى زَفَرَاتِ نَدَمٍ لَا تَرُدُّ غَائِبًا وَلَا تُطَبِّبُ قَلْبًا أَرْهَقَهُ الْجَفَاءُ.

السلطة الرابعة

صوت الشعب