إن الشعوب العظيمة لا تقاس لحظات عزها بساعات الرخاء، بل بالقدرة على الصمود في أحلك أوقات الظلمة، وحين نتأمل المنيعة الكبرى في تاريخ مصر الحديث - نصر أكتوبر المجيد - نجد أن ما سبق ذلك العبور العظيم لم يكن مجرد سنوات من الانتظار، بل كان تمحيصاً وصقلاً وتهيئة لشعب يُعد لإنجاز معجزة.
فعقب نكسة عام 1967، خيمت على الشارع المصري حالة عارمة من الإحباط واليأس، وتسللت الشكوك، وتصاعدت الأصوات الناقدة والمشككة في قدرة الدولة على المواجهة، وغاب عن الكثيرين أن ما كان يجري خلف الكواليس يُكتب بمداد من التخطيط الاستراتيجي الصامت، وبناء القوة والعتاد بعيداً عن صخب الشعارات، كانت القيادة حينها تدير معركة الوجود بإحكام وهدوء، حتى نطق السلاح ورُفعت الرايات، ليدرك الجميع أن ما ظنوه جموداً لم يكن إلا استعدادات محكمة لنصر مجيد نفخر به جميعاً حتى اليوم.
والليلة تشبه البارحة، فالتاريخ لا يكرر أحداثه بحذافيرها، ولكنه يكرر سننه، نمر اليوم بحالة من التحديات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية التي قد تبعث لدى البعض الشعور بالضيق أو الخوف من المستقبل، وتتأثر الرؤية أحياناً بضجيج الأحداث والتفاصيل اليومية. إلا أن المقارنة المنصفة تؤكد أن الأزمات والضغوط ليست إلا مخاضاً صقيل يسبق كل تحول كبير، وبداية لولادة جديدة لشعب صبور أثبت عبر العصور استحقاقه لكامل التقدير والدعم.
إن الحكم الرشيد يُقاس بالقدرة على حماية المقدرات الوطنية وسط تلاطم الأمواج والتحديات الإقليمية، وهنا تجب الإشادة بالحكمة الاستراتيجية للقيادة السياسية التي آثرت النأي بالبلاد عن الانزلاق في معارك خارجية استنزافية، وركزت الجهود على المعركة الأهم: معركة البناء والتنمية المستدامة، ومواجهة التحديات الداخلية والتصدي لها بوعي وثبات. إن بناء الدولة وتشييد بنيتها التحتية وتأمين مستقبلها هو خيار الاستقرار المستدام الذي تظهر آثاره جلياً للأجيال القادمة.
إن الأمل ليس مجرد شعور عابر، بل هو يقين يُستمد من قراءة التاريخ وعمق وعي هذا الشعب. وكما عبرت مصر من ضفة الهزيمة إلى شاطئ النصر في أكتوبر، فإن ثمار هذا الصبر والتخطيط ستؤتي أكلها، لنسطر جميعاً نصراً جديداً في معركة البناء والتنمية، يشعر بأثره أبناؤنا غداً، بإذن الله وتوفيقه، حفظ اللَّه وطننا الغالى آمنًا مستقرًّا عزيزًا شامخًا .
تحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر

صوت الشعب






