مقالات الرأي

النيابة العامة قاعة تجديد الحبس عن بعد

النيابة العامة
قاعة تجديد الحبس عن بعد

دخلتُ المحكمةَ وتوجّهتُ إلى قاعةِ التجديد، فوجدتُه يجلسُ ناحلَ الجسدِ يكادُ يختفي، يضعُ بينَ رجليه كيسًا كبيرًا.
سألتُه: إيه ده؟!
قال: مياه وعصائر وبسكويت للدكتور.
قلتُ: دكتور مين؟!

فنظرَ إليَّ معاتبًا وقال: هو إحنا جايين هنا ليه يا عم هلال؟!
قلتُ: يا حاج أحمد، إحنا لن نرى د. محمد زهران، انظر أمامك على تلك اللافتة؛ فالدكتور زهران سيُعرَضُ على النيابةِ عبرَ الفيديو كونفرانس.

ظهرَ الضيقُ على وجهِ الصديقِ والزميلِ أحمد التاسي، المعلّمِ على المعاش، الذي سافرَ ولفَّ ودارَ وتنقّلَ من محكمةٍ لمحكمةٍ بالقاهرةِ الجديدةِ حتى وصل للمحكمة الابتدائية حتى يرى زهران ويُسلّمَ عليه ويعطيَه كيسَ العصائرِ والمياهِ والبسكويت؛ فواسيتُه، واعطاني علبة عصير وانتظرنا حتى خرجَ الأستاذُ حازم صلاح الدين، محامي المبادرةِ المصريةِ للحقوقِ الشخصيةِ، وعرفنا أنه تمَّ التجديدُ للدكتورِ زهران.
وخرجت مع الزميل أحمد التاسي,يحمل كيسه عائداً في أسى، واعطاني زجاجة مياه, وانطلقنا كل في طريق، ثم وجدته ينادي عليّ، فمشيت إليه ومد لي ورقة بمائتي جنيه وقال: انا عايز اشترك في جمعية وكل ما اقبض المعاش ادفع متين
قلت: وعايز تقبضها امتى يا حاج أحمد؟!
فاشاح بوجهه وذهب

أنا لا أتفاءلُ بلافتةِ النيابةِ العامةِ، وحتى وإن كانَ مصطلحُ "تجديد الحبس" مصطلحًا قانونيًا، فلا أعرفُ علامَ يستندُ؟!.

فالمصدرُ "تجديد" يوحي ويُشيرُ، بل ويؤكّدُ، على أنَّ الحبسَ الاحتياطيَّ هو الأصلُ؛ فيأتي المتّهمُ للنيابةِ العامةِ واقعيًا أو افتراضيًا لا ليحصلَ على حريّتِه التي قرّرها الدستورُ والقانونُ، وجعلها -كما جعلَ البراءةَ- هي الأصلَ لأيِّ متّهمٍ، وجعلَ سلبَ الحريةِ بالحبسِ الاحتياطيِّ تحوّطًا وفي أضيقِ الحدودِ ولسلامةِ التحقيقِ، حتى لا يؤثّرَ خروجُ المتّهمِ على الشهودِ مثلًا، أو لكونِه ليس له مسكنٌ.

ولكنَّ مصطلح "تجديد الحبس" يوحي بأصالةِ الحبسِ وبأنه هو الأصلُ، وليست الحريةُ التي حدّدَ لها الدستورُ عدّةَ موادَّ وأحاطها بسياجٍ حامٍ وأصيلٍ، وقالَ في المادةِ 54: "الحريةُ الشخصيةُ حقٌّ طبيعيٌّ، وهي مصونةٌ لا تُمسُّ، وفيما عدا حالةِ التلبُّسِ، لا يجوزُ القبضُ على أحدٍ، أو تفتيشُه، أو حبسُه، أو تقييدُ حريتِه بأيِّ قيدٍ إلا بأمرٍ قضائيٍّ مسبَّبٍ يستلزمه التحقيق ...".

فلماذا تلك الصيغةُ الموحيةُ بضرورةِ وحتميةِ التجديدِ في معناها ومبناها؟!
ولماذا لا يُطلَقُ عليها مثلًا: "قاعةُ النظرِ في أمرِ الحبسِ عن بُعد"؟!
فلفظُ "النظرِ" يحملُ في معناه أنَّ الحبسَ ليس هو الأساسَ، وبناءً عليه فإنَّ النيابةَ أو غرفةَ المشورةِ تنظرُ في إلغائِه والعودةِ للأصلِ، وهو البراءةُ التي هي قرينةُ كلِّ متّهمٍ وهي الأصلُ في أيِّ إنسانٍ.

أرجو أن أجدَ تفسيرًا لدى أصدقائي من المحامينَ والقانونيينَ لوجودِ مصطلحِ "تجديد الحبس".

فنحنُ نعرفُ أنَّ المصدرَ يفيدُ إثباتَ المعنى وحصولَ الحدثِ، وهو التجديدُ، فهو واقعٌ لا محالةَ، وغيرُه -الإفراجُ- قد يكونُ استثناءً.

هذا ما نفهمُه نحنُ -معلّمي اللغةِ العربيةِ- من دلالاتِ المصادر.

السلطة الرابعة

صوت الشعب