مقالات الرأي

عشرات الشكاوى والرسالة واحدة... «يسعدنا تواصلكم معنا»

عشرات الشكاوى والرسالة واحدة... «يسعدنا تواصلكم معنا»

تلاحظ خلال الفترة الأخيرة نشاط في منظومة الرصد الحكومي وعلي صفحات التواصل الاجتماعي فيسبوك لبعض صفحات الوزارات والتي تعالج بشكل حاسم معاناة المواطن المصرى وتلبية احتياجات وشكواه.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم «منبرًا لمن لا منبر له»؛ فالمواطن الذي كان يتكبد عناءً ومشقة طويلة لإيصال رسالته إلى الأجهزة الحكومية والجهات المعنية بشكواه، أصبح بإمكانه الآن أن يطرح مشكلته عبر تعليق على الصفحة الرسمية أو من خلال وسائل التواصل المعلنة، لينتظر في كثير من الحالات وقتًا قصيرًا قبل أن تصله إفادة بشأن ما تم اتخاذه من إجراءات.

وهنا لا نتحدث عن صفحة إلكترونية فحسب، وإنما عن نموذج جديد في التواصل بين المواطن والجهاز الحكومي، يقوم على سرعة الاستجابة، والاستماع إلى المواطن، ورصد المشكلات على أرض الواقع.

وتكتسب وزارة الموارد المائية والري خصوصية كبيرة، فهي ليست مجرد وزارة خدمية بالمعنى التقليدي، وإنما وزارة معنية بحماية وإدارة أحد أهم مقدرات الدولة المصرية؛ فمياه النيل تمثل شريان الحياة الحقيقي لمصر، وموردًا اقتصاديًا واستراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه أو السماح بإهداره.
حيث تلاحظ خلال موسم أقصى الاحتياجات المائية، وما تلاها من جهود مستمرة، نشاطًا لافتًا للانتباه على الصفحة الرسمية لوزارة الموارد المائية والري، التي كثفت جهودها في رصد التعليقات والطلبات والشكاوى والاستفسارات والاقتراحات، والتعامل معها بصورة سريعة وفعالة.

لكي تستمر مسيرة التنمية، كان ولا بد من رصد أي مخالفات من شأنها أن تعوق وصول المياه إلى مستخدميها، أو تؤثر في كفاءة شبكة الترع والمصارف والمنشآت المائية، باعتبار أن هذه المنظومة تمثل أساسًا مهمًا لاستمرار النشاط الزراعي والإنتاج الحيواني، ودعم الأمن الغذائي المصري.

ولعل الصفحة الرسمية لوزارة الموارد المائية والري تمثل أحد النماذج اللافتة خلال الفترة الأخيرة، من خلال سرعة رصد المخالفات والتفاعل مع شكاوى المواطنين وتعليقات رواد الصفحة، وهو ما انعكس في إشادات عدد من المتابعين بسرعة التعامل والاستجابة.

وخلف هذه الصفحة، وخلف كل تعليق تتم متابعته وكل شكوى يجري التعامل معها، هناك موظفون يعملون في صمت؛ ربما حان الوقت لأن تتغير الصورة الذهنية التقليدية عن الموظف الحكومي الرتيب الذي لا يتحرك إلا داخل حدود مكتبه، إلى صورة أخرى لموظف يتابع ويتحرك ويتعامل مع شكاوى المواطنين، ويسعى إلى حلها في إطار القانون والإمكانات المتاحة.

وتشير متابعة الشكاوى إلى أن جانبًا كبيرًا منها يرتبط بتراكم المخلفات والقمامة في الترع والمصارف، وهي ممارسات تمثل تعديًا على منشآت مائية أنفقت الدولة ملايين الجنيهات لإنشائها وصيانتها حتى تصل المياه إلى الأراضي الزراعية والمستفيدين منها.

والأمر هنا لا يتوقف عند حدود المخالفة ذاتها؛ فالدولة تتحمل أيضًا أعباء إضافية لإزالة هذه المخلفات والتعامل مع آثارها، وهو ما يعني زيادة في التكلفة، فضلًا عن التأثير السلبي على كفاءة منظومة توزيع المياه.

ومن هنا، فإن نشر الوعي لا يقل أهمية عن إقامة المشروعات والمنشآت الخدمية؛ فالوعي هو الصمام الضامن لاستمرار هذه المنشآت في العمل بكفاءة وفاعلية.

الوعي ليس مجرد كلمات تُقال، وإنما هو التزام بالقانون، وعقد اجتماعي وأخلاقي بين المواطن والدولة. فإذا غاب الوعي، أصبحت المشروعات عرضة للإهدار، مهما بلغت تكلفتها أو كفاءة تنفيذها، ولذلك فإن القانون الرادع للمخالفين يجب أن يسير بالتوازي مع بناء وعي حقيقي لدى المواطنين بأهمية الحفاظ على مقدرات الدولة.

وربما تكون رسالتي في هذا المقال رسالة عامة، لا تخص وزارة بعينها بقدر ما تخص مفهومًا أوسع للعلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة: أن نشكو عندما نجد خللًا، وأن نستجيب عندما نرى مخالفة، وأن نشارك جميعًا في الحفاظ على مقدرات الوطن.

وهي رسالة خرجت من متابعتي خلال الشهور الأخيرة لصفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بعدد من الجهات الحكومية، وبصفة خاصة الصفحة الرسمية لوزارة الموارد المائية والري، وما لمسته من تفاعل مع شكاوى المواطنين وسرعة في الرصد والاستجابة.

فقد لا تحل «رسالة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي كل المشكلات، لكنها بالتأكيد تستطيع أن تفتح بابًا للتواصل، وأن تجعل المواطن شريكًا في الرصد، وتمنح الأجهزة المعنية فرصة أسرع للتدخل.

عشرات الشكاوى قد تختلف في تفاصيلها، لكن الرسالة واحدة: «يسعدنا تواصلكم معنا»... والأهم أن يتحول هذا التواصل إلى وعي ومسؤولية وشراكة حقيقية في حماية مقدرات الوطن.

السلطة الرابعة

صوت الشعب