الإعلام والسياسة بينهما علاقة لا يمكن إنكارها.
فالإعلام لا يعمل في فراغ، والسياسة لا تستطيع أن تعيش بعيدًا عن الرأي العام، ولذلك فإن أستاذ الإعلام الذي يملك أدوات التحليل والقراءة وصناعة الرسالة الإعلامية يكون بالضرورة قريبًا من المجال السياسي، وقادرًا على التأثير فيه وفهم آلياته.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين **أن تكون أستاذًا جيدًا في الإعلام، وأن تكون سياسيًا ناجحًا**.
وهذا الفارق هو المدخل الحقيقي للحديث عن الدكتور أيمن ندى.
أنا لا أختلف مع الدكتور أيمن ندي في كونه أستاذًا للإعلام، ولا مع حقه الكامل في أن يبدي رأيه في الشأن العام، ولا أرى أن أستاذ الإعلام يجب أن يظل حبيس قاعة المحاضرات. بل إن المجتمع يحتاج إلى أساتذة الجامعات عندما يتحدثون في السياسة، لأن المعرفة الأكاديمية يمكن أن تضيف كثيرًا إلى الحياة العامة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول **المعركة الإعلامية إلى مشروع سياسي**، وعندما يصبح الاشتباك مع الأشخاص بديلاً عن بناء الموقف السياسي.
## أستاذ إعلام جيد لا يعني بالضرورة سياسيًا جيدًا
قد يكون الإنسان ممتازًا في تحليل الرسالة الإعلامية، وفي دراسة الجمهور، وفي فهم لغة الصورة والخبر والتأثير، ثم لا يكون بالضرورة ناجحًا عندما يدخل إلى ميدان السياسة.
فالسياسة ليست محاضرة.
والسياسة ليست مجرد تحليل إعلامي.
والسياسة تحتاج إلى قراءة التوقيت، وقياس النتائج، وفهم موازين القوى، وإدراك ما تبقى في الساحة من شخصيات واتجاهات، ومعرفة متى يكون الكلام إضافة إلى المجال العام، ومتى يتحول إلى هدم لما تبقى منه.
ومن هنا أرى أن الدكتور أيمن ندي، في بعض معاركه السياسية التي ارتبطت بطبيعته الإعلامية، كان أقرب إلى **المحاضر الذي يستخدم أدوات الإعلام في الاشتباك السياسي** منه إلى السياسي الذي يحسب نتائج معركته على المدى البعيد.
وهذه نقطة جوهرية.
فالإعلامي قد يربح المعركة في المقال أو البرنامج أو المناظرة، بينما يخسر السياسي شيئًا أكبر: **المساحة السياسية نفسها التي يحتاجها المجتمع لكي يبقى الحوار ممكنًا.**
## المشكلة ليست في نقد حمدين صباحي
أما المقال الأخير المتعلق بحمدين صباحي، فالمسألة في تقديري لا ينبغي أن تختزل في سؤال: هل حمدين صباحي يستحق النقد أم لا؟
بالطبع من حق أي مواطن، وأي كاتب، وأي أستاذ جامعي، أن ينتقد حمدين صباحي أو غيره من الشخصيات العامة.
لكن السؤال السياسي الأهم هو:
**هل كان هذا هو الوقت المناسب لهذه المعركة؟
وهنا أختلف مع الدكتور أيمن ندي.
فالسياسة لا تتعلق فقط بصحة المعلومة أو قوة الحجة، وإنما تتعلق أيضًا بالتوقيت.
وإذا كانت الساحة السياسية المصرية قد فقدت خلال السنوات الماضية عددًا كبيرًا من الشخصيات والأصوات والتيارات القادرة على ممارسة السياسة، فإن التعامل مع ما تبقى من الشخصيات السياسية ينبغي أن يكون أكثر حرصًا.
ليس المطلوب تقديس أحد.
وليس المطلوب إعفاء أي شخصية سياسية من النقد.
ولكن هناك فرقًا بين **نقد السياسي بهدف تصحيح المسار**، وبين الدخول معه في معركة قد تنتهي إلى إضعاف وجوده السياسي أصلًا.
وهذا الفرق يجب أن يدركه أستاذ الإعلام قبل غيره.
## نحن لا نملك رفاهية هدم ما تبقى
قد يختلف المرء جذريًا مع حمدين صباحي في أفكاره ومواقفه وتاريخه السياسي.
وقد يرى أن بعض مواقفه كانت خاطئة.
وقد يرى آخرون أنه لم يعد قادرًا على التأثير كما كان في مراحل سابقة.
كل ذلك قابل للنقاش.
لكن السؤال الأوسع هو:
**ماذا بقي في الحياة السياسية المصرية من شخصيات يمكن أن تمارس دور المعارضة أو النقد أو المنافسة السياسية بصورة علنية؟**
إذا كانت الإجابة أن العدد محدود، فإن التعامل مع هذه الشخصيات يصبح جزءًا من مسؤولية الحفاظ على المجال السياسي ذاته.
فالسياسة ليست فقط أن نبحث عن المختلفين معنا لكي نهاجمهم.
السياسة أن نحافظ على حق المختلف في الوجود.
ومن هنا فإنني لا أرى أن كل معركة سياسية يجب أن تُخاض لمجرد أن الفرصة متاحة.
هناك معارك يكون الانتصار فيها خسارة.
وهناك معارك قد ينتصر فيها الكاتب في مقاله، لكنه يترك بعد ذلك ساحة سياسية أكثر فراغًا.
## المعركة مع أحمد موسى نموذج آخر
وقد ظهر هذا الإشكال، وفق التصور الذي أطرحه هنا، في المعركة السابقة للدكتور أيمن ندي مع الإعلامي أحمد موسى.
ومرة أخرى، لا أتوقف هنا عند تفاصيل الوقائع أو المسؤوليات القانونية، لأن ذلك يحتاج إلى الرجوع إلى الأحكام والمستندات ذاتها، ولا يصح اختزال ملف قضائي في رواية سياسية.
لكن ما يعنيني هو **النمط السياسي والإعلامي للمعركة**.
فالدخول في مواجهة إعلامية حادة قد يحقق شهرة واسعة، وقد يجعل صاحبها حاضرًا في وسائل الإعلام، وقد يحوله إلى شخصية يتحدث عنها الناس.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه حقق مكسبًا سياسيًا.
بل قد يحدث العكس.
قد تتحول القضية إلى معركة شخصية، ويتراجع النقاش حول أصل المشكلة، ويصبح السؤال: من انتصر على من؟
وهنا يفقد المجال العام جزءًا من قيمته.
فالسياسة الرشيدة لا تقاس بعدد الخصوم الذين أسقطتهم، وإنما بعدد المساحات التي نجحت في فتحها للحوار.
## السجن الاحتياطي ليس معيارًا للموقف السياسي
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة.
إذا تعرض أي مواطن للحبس الاحتياطي، فذلك لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى شهادة سياسية له، كما لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة سياسية عليه.
الحبس الاحتياطي إجراء قانوني له شروطه وضوابطه، وليس وسامًا سياسيًا.
ومن الخطأ أن نقول إن شخصًا أصبح أكثر قيمة سياسيًا لمجرد أنه دخل السجن، كما أن من الخطأ القول إن من لم يدخل السجن لم يتخذ موقفًا لصالح الشعب.
**الموقف السياسي يقاس بما يقوله الإنسان ويفعله، وبمدى استقلاله، وبمدى قدرته على تحمل المسؤولية، لا بعدد الأيام التي قضاها في الحبس الاحتياطي.**
وهذه نقطة مهمة جدًا في تقييم أي شخصية عامة.
## أستاذ الإعلام يجب أن يعرف قيمة الصورة
المفارقة أن أستاذ الإعلام تحديدًا يفترض أن يكون أكثر الناس إدراكًا لهذه ا

صوت الشعب






