مقالات الرأي

صِرَاعُ النُّفُوذِ عِنْدَ بَابِ المَنْدَبِ: لِمَاذَا تَقِفُ مِصْرُ عَلَى حِيَادٍ اسْتْرَاتِيجِيٍّ ذَكِيٍّ؟

حماده السيد علي، الباحث في الشؤون السياسية.
حماده السيد علي، الباحث في الشؤون السياسية.

شَهِدَتْ خَرِيطَةُ النُّفُوذِ فِي البَحْرِ الأَحْمَرِ حَرَكَةً جَدِيدَةً عَقِبَ الأَنْبَاءِ الَّتِي تَدَاوَلَتْهَا وَكَالَاتُ الأَنْبَاءِ العَالَمِيَّةُ - وَفِي مُقَدِّمَتِهَا «رُويْتَرْزُ» - حَوْلَ إِحْكَامِ جَمَاعَةِ «أَنْصَارِ اللهِ» (الحُوثِيِّينَ) سَيْطَرَتَهُمْ عَلَى جَزِيرَةِ «مَيُّونَ» الاِسْتْرَاتِيجِيَّةِ، وَسَيْطَرَتِهِمْ عَلَى مَدِينَةِ «المَخَا» وَمِينائِهَا.
فَفِي تَحَوُّلٍ مَيْدَانِيٍّ صَادِمٍ يُعَادُ فِيهِ رَسْمُ الخَارِطَةِ العَسْكَرِيَّةِ، أَقْدَمَتْ أَلْوِيَةٌ كَامِلَةٌ تُقَدَّرُ بِآلَافِ المُقَاتِلِينَ مِنْ قُوَّاتِ «الشَّرْعِيَّةِ» عَلَى تَسْلِيمِ أَنْفُسِهَا وَعَتَادِهَا لِلْحُوثِيِّينَ، فِي مَشْهَدٍ يُجَسِّدُ انْهِيَارًا شَامِلًا لِجَبْهَةِ خُصُومِهِمْ، وَيُعْلِنُ عَمَلِيًّا حَسْمَ اللُّعْبَةِ العَسْكَرِيَّةِ فِي اليَمَنِ لِصَالِحِ المَشْرُوعِ الحُوثِيِّ، مِمَّا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ مَقَالِيدِ التَّحَكُّمِ المِلَاحِيِّ فِي مَضِيقِ بَابِ المَنْدَبِ.
1- صَدْمَةُ المَيْدَانِ وَالأَبْعَادُ الجِيُوبُولِيتِيكِيَّةُ.
إِنَّنَا أَمَامَ مُنْعَطَفٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ بَالِغِ الخَطَرِ، سَتَمْتَدُّ ارْتِدَادَاتُهُ لِتَشْمَلَ هَيْكَلِيَّةَ الأَمْنِ الإِقْلِيمِيِّ فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ بِأَكْمَلِهِ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ إِحْكَامِ السَّيْطَرَةِ الكَامِلَةِ عَلَى مَضِيقِ بَابِ المَنْدَبِ وَالجُزُرِ الحَاكِمَةِ الأُخْرَى المُحِيطَةِ بِهِ، مِمَّا يُشَكِّلُ انْقِلَابًا كُلِّيًّا فِي مَوَازِينِ القُوَّةِ وَالنُّفُوذِ البَحْرِيِّ وَالدَّوْلِيِّ.
وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ عَمَلِيَّةَ التَّسْلِيمِ قَدْ خَلَتْ مِنَ الْمَظَاهِرِ الدَّمَوِيَّةِ الْمَعْهُودَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ أَنْقَذَ الْمِنْطَقَةَ مِنْ كَارِثَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ، لَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ يُؤَكِّدُ عُمْقَ الِانْكِسَارِ الْمَيْدَانِيِّ وَفُقْدَانَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُنَاوَرَةِ لَدَى الْقُوَّاتِ الْمُنْهَارَةِ.
هَذَا التَّطَوُّرُ الْمَيْدَانِيُّ لَا يُمْكِنُ قِرَاءَتُهُ كَحَدَثٍ يَمَنِيٍّ مَحَلِّيٍّ مُنْفَصِلٍ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ صِرَاعِ نُفُوذٍ دَوْلِيٍّ طَاحِنٍ تَتَشَابَكُ فِيهِ خُطُوطُ الْجِيُوبُولِيتِيكِ الْعَالَمِيَّةِ.
تَتَجَلَّى أَبْعَادُ هَذَا التَّحَوُّلِ الْمَيْدَانِيِّ فِي ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ رَئِيسِيَّةٍ:
● الْإِمْسَاكُ بِخَنَاقِ بَابِ الْمَنْدَبِ، وَالتَّحَكُّمُ الْمُبَاشِرُ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهَمِّ الْمَضَايِقِ الْمَائِيَّةِ فِي الْعَالَمِ، وَتَهْدِيدُ الْمِلَاحَةِ الدَّوْلِيَّةِ.
● التَّأْثِيرُ عَلَى سَلَاسِلِ الْإِمْدَادِ، وَفَرْضُ خِيَارَاتٍ ضَاغِطَةٍ عَلَى حَرَكَةِ الْمِلَاحَةِ وَالتِّجَارَةِ الْعَالَمِيَّةِ، وَارْتِفَاعُ تَكَالِيفِ الشَّحْنِ وَالتَّأْمِينِ.
● تَوْسِيعُ نِطَاقِ الرَّدْعِ وَاسْتِخْدَامُ الْمَوَاقِعِ الْمُنْتَزَعَةِ كَقَوَاعِدَ لِمُنَاوَرَاتٍ بَحْرِيَّةٍ وَهَجَمَاتٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ.
تَتَزَامَنُ هَذِهِ التَّحَرُّكَاتُ مَعَ تَصَاعُدٍ إِسْرَائِيلِيٍّ فِي «تِلَالِ عَلَا الطَّاهِرِ» بِجَنُوبِ لُبْنَانَ لِتَحْقِيقِ إِشْرَافٍ تَكْتِيكِيٍّ وَتَفْكِيكِ خُطُوطِ دِفَاعِ المُقَاوَمَةِ، مِمَّا يُدْخِلُ المِنْطَقَةَ فِي مَرْحَلَةِ «ضَرْبَةٍ بِمِثْلِ ضَرْبَةٍ» حَيْثُ تَتَشَابَكُ الجَبَهَاتُ البَرِّيَّةُ وَالبَحْرِيَّةُ.
2- الحُضُورُ الصِّينِيُّ وَالمِحْوَرُ المِصْرِيُّ.
لِفَهْمِ أَبْعَادِ الْمَشْهَدِ الصِّينِيِّ-الْمِصْرِيِّ، لَا بُدَّ مِنْ رَبْطِ النِّقَاطِ؛ فَقَبْلَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، شَهِدَتِ الْقَاهِرَةُ زِيَارَةً هَامَّةً لِلرَّئِيسِ الصِّينِيِّ، تُوِّجَتْ بِتَوْقِيعِ شَرَاكَاتٍ وَتَحَالُفَاتٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ، وَسَبَقَتْهَا الْمُنَاوَرَاتُ الْعَسْكَرِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ "نُسُورُ الْحَضَارَةِ"، إِذْ تُمَثِّلُ مِصْرُ الْمِحْوَرَ الْأَسَاسِيَّ لِمَشْرُوعِ "الْحِزَامِ وَالطَّرِيقِ"، وَتُعَدُّ قَنَاةُ السُّوَيْسِ قَلْبَهُ النَّابِضَ.
وَفِي ظِلِّ الِانْقِسَامِ الدَّوْلِيِّ بَيْنَ مِحْوَرٍ غَرْبِيٍّ وَمِحْوَرٍ شَرْقِيٍّ (الصِّينُ، رُوسِيَا، إِيرَانُ)، تَسْعَى بَكِينُ – عَبْرَ نُفُوذٍ جِيُوبُولِيتِيكِيٍّ غَيْرِ مُبَاشِرٍ – لِكَسْرِ الِاحْتِكَارِ الْأَمْرِيكِيِّ لِلْمَمَرَّاتِ الْمَائِيَّةِ الْحَاكِمَةِ.
3- سِينَارْيُوهَاتُ إِيرَادَاتِ قَنَاةِ السُّوَيْسِ.
وَفِي هَذَا الصَّدَدِ، يَبْرُزُ التَّأْثِيرُ المُبَاشِرُ عَلَى اقْتِصَادِيَّاتِ المِلَاحَةِ المِصْرِيَّةِ، وَالَّذِي يُمْكِنُ صِيَاغَتُهُ فِي سِينارْيُوهَيْنِ مِحْوَرِيَّيْنِ لِإِيرَادَاتِ قَنَاةِ السُّوَيْسِ:
● سِينَارْيُو الِاسْتِنْزَافِ المُؤَقَّتِ: بِالتَّحَوُّلِ القَسْرِيِّ لِبَعْضِ خُطُوطِ الشَّحْنِ نَحْوَ طَرِيقِ «رَأْسِ الرَّجَاءِ الصَّالِحِ» هَرَبًا مِنِ ارْتِفَاعِ أَقْسَاطِ التَّأْمِينِ البَحْرِيِّ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَرَاجُعٍ جُزْئِيٍّ مَلْحُوظٍ فِي إِيرَادَاتِ القَنَاةِ الدُّولَارِيَّةِ عَلَى المَدَى القَرِيبِ.
● سِينَارْيُو التَّوَازُنِ الجَدِيدِ: مِنْ خِلَالِ نَجَاحِ التَّفَاهُمَاتِ مَعَ القُوَى الفَاعِلَةِ (بَكِينَ وَتَهْدِئَةِ المِحْوَرِ الإِقْلِيمِيِّ) فِي صِيَاغَةِ ضَمَانَاتٍ مِلَاحِيَّةٍ تَسْتَثْنِي السُّفُنَ التِّجَارِيَّةَ المَارَّةَ، مِمَّا يُعِيدُ تَدَفُّقَ المُرُورِ البَحْرِيِّ شَيْئاً فَشَيْئاً لِيَسْتَرِدَّ المَمَرُّ المِصْرِيُّ زَخَمَهُ المَالِيَّ بِالكَامِلِ.
4- خِيَارَاتُ الرَّدْعِ العَرَبِيِّ وَالحِيَادُ المِصْرِيُّ.
أَمَّا عَلَى صَعِيدِ «خِيَارَاتِ الرَّدْعِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَكِ»، فَتَبْقَى القَاهِرَةُ وَعَوَاصِمُ القَرَارِ العَرَبِيِّ أَمَامَ مَسَارَاتٍ مُحَدَّدَةٍ لِتَأْمِينِ الحُدُودِ وَالمَضَايِقِ، وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا:
● الدَّوْرِيَّاتِ البَحْرِيَّةِ الإِقْلِيمِيَّةِ المُنَسَّقَةِ.
● َتَشْكِيلِ غُرَفِ عَمَلِيَّاتٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ لِحِمَايَةِ المَمَرَّاتِ المَائِيَّةِ الحَاكِمَةِ دُونَ الِانْخِرَاطِ فِي حُرُوبٍ بَرِّيَّةٍ مُكْلِفَةٍ.
● رَبْطِ المَلَفَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ بِبَعْضِهَا وَاسْتِغْلَالِ نُفُوذِ الشَّرَاكَةِ الصِّينِيَّةِ لِلضَّغْطِ عَلَى الأَطْرَافِ المَيْدَانِيَّةِ لِضَمَانِ سَلَامَةِ التِّجَارَةِ العَالَمِيَّةِ.
وَأَمَامَ هَذِهِ المَعْرَكَةِ، هَلْ يُشَكِّلُ هَذَا التَّصَاعُدُ اسْتِهْدَافًا مُبَاشِرًا لِمِصْرَ؟.
الإِجَابَةُ القَاطِعَةُ هِيَ لاَ؛ فَالْمَصَالِحُ الصِّينِيَّةُ العُلْيَا مُرْتَبِطَةٌ اسْتِرَاتِيجِيًّا بِسَلَامَةِ وَاسْتِقْرَارِ المِلَاحَةِ فِي قَنَاةِ السُّوَيْسِ.
أَمَّا المُحَاوَلَاتُ المُسْتَمِرَّةُ لِدَفْعِ القَاهِرَةِ نَحْوَ التَّدَخُّلِ العَسْكَرِيِّ المُبَاشِرِ فِي المِلَفِّ اليَمَنِيِّ، فَلَيْسَتْ سِوَى رَغَبَاتٍ لِبَعْضِ الأَطْرَافِ فِي اسْتِنْزَافِ القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ المِصْرِيَّةِ.
وخَاتِمَا: إِنَّ قِرَاءَةَ مَوْقِفِ القَاهِرَةِ وَسَطَ هَذِهِ التَّحَوُّلَاتِ لاَ تَعْكِسُ تَرَاجُعًا أَوْ غِيَابًا، بَلْ تُعَبِّرُ عَنْ فَهْمٍ دَقِيقٍ لِبِيئَةِ الصِّرَاعِ الإِقْلِيمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ.
فَالْبَحْرُ الأَحْمَرُ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ مَسْرَحٍ لِاقْتِتَالٍ مَحَلِّيٍّ، بَلْ أَضْحَى سَاحَةَ كَسْرِ إِرَادَاتٍ بَيْنَ الْقُوَى الْكُبْرَى.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَبَنِّيَ الدَّوْلَةِ المِصْرِيَّةِ لِسِيَاسَةِ «الحِيَادِ الاِسْتْرَاتِيجِيِّ المُنَظَّمِ» – عَبْرَ عَدَمِ الانْخِرَاطِ فِي صِرَاعَاتِ الوَكَالَةِ، وَعَدَمِ مَنْحِ حَلِيفٍ نُفُوذًا حَصْرِيًّا – يُؤَكِّدُ أَنَّهَا تُدِيرُ مَصَالِحَهَا القَوْمِيَّةَ بِعَقْلَانِيَّةٍ وَثَبَاتٍ، مِمَّا يَحْمِي الأَمْنَ القَوْمِيَّ المِصْرِيَّ، وَيَصُونُ مَكَانَةَ قَنَاةِ السُّوَيْسِ، وَيَقِي المِنْطَقَةَ المَخَاطِرَ مَعَ الحِفَاظِ الكَامِلِ عَلَى هَيْبَتِهَا وَمَكَانَتِهَا الإِقْلِيمِيَّةِ.

السلطة الرابعة

صوت الشعب