أصبح من الضروري اليوم أن نعيد التفكير في علاقتنا بتوعية الشباب سياسيًا. فالكثير من المشكلات التي نراها في المجتمع لا ترتبط فقط بغياب الرغبة في المشاركة وإنما ترتبط في جانب كبير منها بغياب المعرفة السياسية المنظمة، لقد شهد المجتمع خلال السنوات الماضية مظاهر متعددة من التطرف الفكري وانتشار الأفكار المتشددة وانتقال الكثير من الأفكار غير الصحيحة بين الشباب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه أصبح هناك عزوف واضح لدى قطاعات من الشباب عن المشاركة في الحياة العامة وعن العمل السياسي والحزبي، كما أن ضعف المشاركة في الانتخابات لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد عدم اهتمام بالعملية الانتخابية.
فهناك شريحة من الشباب لا تعرف بشكل كافٍ معنى المشاركة السياسية ولا تدرك الدور الذي يمكن أن تقوم به الأحزاب ولا تعرف كيف تختار من يمثل أفكارها وقناعاتها، ومن هنا يأتي مقترحنا بإضافة مادة دراسية إلى التعليم الجامعي تهتم بأساسيات السياسة والثقافة السياسية والأمن القومي وتعريف الطلاب بالأحزاب السياسية وأهميتها ودورها في الحياة العامة، ولا يكون الهدف من هذه المادة توجيه الطلاب إلى حزب معين أو فرض اتجاه سياسي عليهم. بل يكون الهدف هو منح الطالب المعرفة التي تساعده على تكوين رأيه بنفسه، فالطالب الذي يعرف معنى الدولة والدستور والمؤسسات ويعرف حقوقه وواجباته ويفهم معنى المشاركة السياسية ويتعرف على التيارات والأفكار السياسية المختلفة سيكون أكثر قدرة على اتخاذ موقف سياسي مستقل وأكثر قدرة على اختيار التمثيل الذي يعبر عن أفكاره، كما يجب أن تتناول المادة مفهوم الأمن القومي وأبعاده المختلفة وأن توضح للطالب أن الأمن القومي ليس مفهومًا عسكريًا فقط وإنما يرتبط بأمن الدولة واستقرارها واقتصادها ومقدراتها ومصالحها.
ومن أهم أهداف هذه المادة أن تكون وسيلة للوقاية من التطرف الفكري. فالجهل السياسي وغياب المعرفة قد يجعلان الشباب أكثر عرضة لتلقي الأفكار المتطرفة أو الانجراف خلف خطاب يقوم على الكراهية ورفض الآخر، أما الطالب الذي يمتلك المعرفة ويعرف كيف يناقش الفكرة ويفرق بين الرأي والحقيقة ويستطيع فهم الاختلاف السياسي والفكري فإنه يكون أكثر قدرة على مواجهة الأفكار المتطرفة دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع أو كراهية، كذلك يجب أن تساعد المادة الطلاب على فهم أهمية الأحزاب السياسية ودورها في المجتمع.
فالحزب السياسي ليس مجرد اسم يظهر في الانتخابات وإنما هو أحد الأدوات التي يستطيع المواطن من خلالها المشاركة في الحياة العامة والتعبير عن أفكاره والمساهمة في صناعة السياسات العامة، إن عزوف الشباب عن العمل العام يمثل خسارة حقيقية للمجتمع. فالشباب هم الأكثر عددًا والأكثر قدرة على الحركة والتغيير ولذلك فإن ابتعادهم عن العمل السياسي والمجتمعي يترك مساحة أكبر للفراغ السياسي و الفكري.
ولهذا يجب أن تبدأ مواجهة هذا العزوف من الجامعة من خلال بناء وعي سياسي حقيقي وليس من خلال مطالبة الشباب بالمشاركة دون أن نعطيهم المعرفة اللازمة لفهم هذه المشاركة.
ونقترح أن تعتمد المادة على الحوار والمناقشة ودراسة التجارب السياسية والانتخابية وتعريف الطلاب بآليات المشاركة السياسية والعمل الحزبي والمجتمعي. كما يمكن أن تتضمن تدريبات عملية على كيفية قراءة البرامج الانتخابية ومقارنة الأفكار والمواقف السياسية المختلفة.
نحن لا نريد طالبًا يحفظ معلومات سياسية وإنما نريد طالبًا يفهم ويحلل ويناقش ويختار، ولا نريد أن نوجه الشباب نحو اتجاه سياسي محدد وإنما نريد أن نمنحهم القدرة على معرفة الاتجاهات المختلفة واختيار ما يرونه أكثر تعبيرًا عن أفكارهم وقناعاتهم، إن إدخال الثقافة السياسية والأمن القومي إلى التعليم الجامعي يمكن أن يكون خطوة مهمة في مواجهة التطرف الفكري وفي تقليل حالة العزوف عن الانتخابات وفي إعادة الشباب إلى دائرة العمل العام، فالوعي السياسي ليس رفاهية وإنما ضرورة لبناء مواطن قادر على المشاركة وتحمل المسؤولية.
ومن هنا فإن بناء المواطن الواعي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من رسالة التعليم الجامعي.

صوت الشعب






