مقالات الرأي

لقمة العيش المغموسة بالدم

لقمة العيش المغموسة بالدم

ينص الدستور المصرى فى المادة (80) الخاصة بالطفل " يعد طفلا من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وتكفل الدولة حقوق الأطفال ذوى الإعاقة وتأهيلهم واندماجهم فى المجتمع. وتلتزم الدولة برعاية الطفل وحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال الجنسى والتجارى. لكل طفل الحق فى التعليم المبكر حتى السادسة من عمره، ويحظر تشغيل الطفل قبل تجاوزه سن اتمام التعليم الأساسى، كما يحظر تشغيله فى الأعمال التى تعرضه للخطر. وتعمل الدولة على تحقيق المصلحة الفضلى للطفل".

هذا بجانب القوانين التى تُجرِّم عمالة الأطفال فهناك القانون الخاص بالطفل 12 لعام 1996، وقانون العمل القديم 12 لعام 2003، وقانون العمل الجديد 14 لعام 2025، كل هذه القوانين تُجرِّم عمالة الأطفال، وتنص على السلامة والصحة المهنية وتنص على بيئة عمل آمنة.كما أن الدستور المصرى الصادر بعد ثورتى 25 يناير 2011، و30 يونيو 2013، تنص المادة(59) منه على "الحياة الامنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها.

وإننى أتساءل أين هى الحياة الآمنة، وبيئة العمل الآمنة، والحياة الكريمة فى ظل التفاوت الطبقى الرهيب، واتساع الهوة بين الدخول للشعب المصرى؟، أين تذهب مئات المليارات التى تأخذها وزارة النقل لتحسين منظومة النقل والمواصلات والسكك الحديدية والطرق؟ متى تتم الرقابة والتفتيش على المؤسسات والمصانع والشركات، والمحاسبة والمحاكمة والعقاب التى يرتكبها أصحاب العمل فى حق العاملين والعاملات؟.

فى صباح يوم غابت عنه الشمس وامتلأت السماء بسحب دموع الأ باء والأمهات وارتوت الأرض بدماء شهداء وشهيدات لقمة العيش وتلونت باللون الأحمر، وارتفعت أصوات الأهالى (المفجوعين المكلومين الموجوعة قلوبهم على فلذات أكبادهم) بالصراخ والعويل والأنين، يوم الحادى عشر من أغسطس 2026، استيقظنا على حادثة مروعة (تصادم سيارتين ربع نقل تقلان مجموعة من عمال اليومية)، أودت بحياة 17 شهيد وشهيدة (منهم 6 إخوة من عائلة واحدة، وأطفال فى سن 10 إلى 18 سنة) وإصابة 30، خرج معظمهم من محافظة الشرقية من الفجر للعمل فى القصاصين بمحافظة الاسماعيلية من أجل بضعة جنيهات يساعدون بها أهاليهم فى مصاريف المعيشة أو لتوفير مصروفات المدرسة.

هل كانت المصادفة يا كل المسؤولين أن يسبق هذا الحادث بساعات إنقلاب سيارة تُقِل عدداً من العمال بعد عودتهم من العمل فى اتجاه بنى سويف بمنطقة الصف محافظة الجيزة وتكون نتيجته سبعة وفيات وإصابة ستة آخرين، وفى نفس الوقت واليوم حادثة أخرى إنقلاب ميكروباس على الطريق الغربى بمحافظة المنيا والنتيجة وفاة 4 عمال وإصابة 14 بكسور.

لم تكن ولن تكون كارثة شهداء لقمة العيش فى الاسماعيلية أول أو آخر حوادث الطرق التى تحصد أرواح البشر، فالإهمال والفساد وعدم الرقابة والمحاسبة وتنفيذ القوانين، يتسبب فى الكثير من الحوادث ونزيف دماء الضحايا على الأسفلت، ففى العام الماضى فى 27 يونيو 2025، وقعت حادثة مفجعة راح ضحيتها 19 فتاة فى عمر الزهور من 13 إلى 15 سنة ،وثلاث منهن فى عمر 18 إلى عشرين عاماً (حلمن بالمستقبل المشرق) حيث شهدت محافظة المنوفية الحادث الأليم الذى راح ضحيته 19 عاملة زراعية، أثناء عودتهن من عملهن بقرية كفر السنابسة، بعد يوم شاق فى جنى محصول العنب مقابل أجر يومى محدود (130 جنيها) فقط لاغير، دون أى وسائل نقل آمنة، أو إجراءات لحمايتهن.

الفتيات الصغار يعملن فى جنى العنب طيلة النهار (بالمخالفة لقانون الطفل والعمل) ويركبن وسيلة انتقال غير آمنة، سارت السيارة الميكروباس التى تقلهن على طريق يسمى طريق الموت الإقليمى لكثرة الحوادث على هذا الطريق غير المطابق للمواصفات، والذى تم انهيار جانب منه بعد تسليمه، ولم تتم صيانته مع عدم إنارته بشكلٍ كافٍ،ودُهِسن تحت سيارة نقل وانتقلن إلى رحمة الله هم والسائق فى الحال.

الفقر يزداد يوما بعد يوم ويدفع فتيات فى عمر الزهور إلى العمل فى ظل ظروف غير آدمية، من أجل مساعدة أسرهم الفقيرة، أو توفير مصروفات للدراسة واستكمال تعليمهم فى مراحل الثانوى والجامعة، أو تدبير مصروفات للعرس، حيث كانت اثنتان منهن تستعد للزفاف بعد أسبوع من الحادث البشع الذى أودى بحياتهن يوم الجمعة الموافق 27 يونيو 2025.
عادت الفتيات لأسرهن جثثا هامدة ملفوفة بالكفن الأبيض بدلا من زفافهن بالفستان الأبيض تاركات الحزن الدموع فى العيون والحسرة والألم فى قلوبنا وقلوب الأهل والجيران والأحبة
.

وقبل هذه الحادثة المفجعة بشهرين وقعت حادثتان مروعتان فى محافظة المنيا، وبالتحديد يومى 18 و19 إبريل 2025، نتيجة غياب وسائل انتقال آمنة، ففى 18 إبريل حدث تصادم بين سيارة نصف نقل وسيارة محملة بالعمالة الزراعية، بالقرب من قرية تونا الجبل وراح ضحيته 8 أشخاص منهم أطفال، و24 مصابا بينهم حالات حرجة من بينهم أطفال. وفى اليوم التالى 19 إبريل وقع حادث على نفس الطريق أسفر عن وفاة عاملتين وإصابة 18 آخرين إثر انقلاب سيارة محملة بالعمال فى نفس الطريق الصحراوى الغربى لمحافظة المنيا.
أين بيئة العمل الآمنة؟، وأين الطرق الآمنة؟، وأين الرقابة والتفتيش على أماكن العمل لضمان تطبيق القوانين الخاصة بتجريم عمالة الأطفال، وتطبيق السلامة والصحة المهنية والحماية والضمانات الاجتماعية؟

إننى أطالب بفتح تحقيق مستقل وشفاف، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق جميع المسؤولين المقصرين على مستوى الحماية الاجتماعية والتشغيل والرقابة والنقل والطرق.
كما أطالب الحكومة بتوقيع الاتفاقية (190) الصادرة من منظمة العمل الدولية فى يونيو 2019 لمناهضة العنف فى عالم العمل والتى تنص فى أحد بنودها على بيئة العمل الآمنة والسلامة والصحة المهنية ووسائل انتقال آمنة للعمال.

السلطة الرابعة

صوت الشعب