مقالات الرأي

هَزِيمَةٌ بِمَذَاقِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ: هَلْ انْتَصَرَتْ أَمْرِيكَا حَقًّا فِي الاتِّفَاقِ الأَخِيرِ؟

حماده السيد علي، الباحث في الشؤون السياسية.
حماده السيد علي، الباحث في الشؤون السياسية.
تَتَكَشَّفُ مَلَامِحُ مُذَكَّرَةِ التَّفَاهُمِ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ وَاشِنْطُنَ وَطَهَرَانَ بِبُنُودِهَا الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ لِتَضَعَ النِّظَامَ الْعَالَمِيَّ أَمَامَ حَقِيقَةٍ صَارِخَةٍ، حَقِيقَةٍ تُعَرِّي الِاسْتِرَاتِيجِيَّةَ الْأَمْرِيكِيَّةَ وَتَكْشِفُ عَنْ تَرَاجُعٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ. فَحِينَما تَنْشُرُ وِكَالَةُ "بِلُومْبِرْغ" مُلَخَّصَ هَذَا الِاتِّفَاقِ، لَا نَجِدُ فِيهِ صَدًى لِصَلَفِ الْقُوَّةِ الْعُظْمَى، بَلْ نَرَى إِذْعَانًا مَكْتُوبًا بِلُغَةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ هَادِئَةٍ فِي صُورَةِ بُنُودٍ تُكَرِّسُ الْمَكَاسِبَ الْإِيرَانِيَّةَ، وَطِبْقًا لِلْمُعْطَيَاتِ، يَنُصُّ الِاتِّفَاقُ عَلَى: • وَقْفِ كَافَّةِ الْأَعْمَالِ الْعَدَائِيَّةِ نِهَائِيًّا عَلَى جَمِيعِ الْجَبَهَاتِ. • رَفْعِ الحِصَارِ الأَمْرِيكِيِّ عَنْ مَضِيقِ هُرْمُزَ، مُقَابِلَ السَّمَاحِ الْآمِنِ لِلسُّفُنِ بِالْمُرُورِ. • سَحْبِ الْقُوَّاتِ الْأَمْرِيكِيَّةِ خِلَالَ شَهْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ. • إِنْهَاءِ الْعُقُوبَاتِ اقْتِصَادِيًّا، وَالْإِفْرَاجِ عَنِ الْأُصُولِ الْمُجَمَّدَةِ، بَلْ وَتَعَهُّدِ وَاشِنْطُنَ وَشُرَكَائِهَا الْإِقْلِيمِيِّينَ بِإِعَادَةِ تَأْهِيلِ وَتَنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِ الْإِيرَانِيِّ. • الاحْتِفَاظِ بِالْبَرْنَامَجِ النَّوَوِيِّ كَمَا هُوَ، دُونَ عُقُوبَاتٍ أَوْ شُرُوطٍ مُسْبَقَةٍ، مَعَ اكْتِفَاءِ طَهْرَانَ بِالتَّعَهُّدِ عَدَمَ امْتِلَاكِ السِّلَاحِ النَّوَوِيِّ لِتَأْمِينِ جَلَسَاتِ الِاتِّفَاقِ النِّهَائِيِّ. وَيَبْقَى السُّؤَالُ الْأَهَمُّ: أَيْنَ ذَهَبَتْ أَهْدَافُ الْمَشْرُوعِ الْأَمْرِيكِيِّ؟ وَلِكَيْ نَفْهَمَ حَجْمَ "الِانْتِصَارِ" الْمَزْعُومِ لِأَمْرِيكَا، يَجِبُ أَنْ نَعُودَ إِلَى قَائِمَةِ الْأَهْدَافِ الْكُبْرَى الَّتِي خَاضَتْ وَاشِنْطُنُ الْحُرُوبَ النَّاعِمَةَ وَالْعَسْكَرِيَّةَ مِنْ أَجْلِهَا لِعُقُودٍ. فَأَيْنَ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الشِّعَارَاتُ؟ • تَغْيِيرُ نِظَامِ الْمَلَالِي؟ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَتَّى الْعَلَمُ الْإِيرَانِيُّ، بَلْ بَاتَ النِّظَامُ أَكْثَرَ شَرْعِيَّةً وَاسْتِقْرَارًا. • تَفْكِيكُ الْبَرْنَامَجِ النَّوَوِيِّ؟ بَقِيَ الْبَرْنَامَجُ قَائِمًا وَمُعْتَرَفًا بِهِ دُونَ قُيُودٍ صَارِمَةٍ. • إِنْهَاءِ التَّدَخُّلَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ وَتَدْمِيرِ الصَّوَارِيخِ البَالِيسْتِيَّةِ؟ لَمْ تَمَسَّهَا البُنُودُ بِأَيِّ سُوءٍ. • تَقْسِيمُ إِيرَانَ بِدَعْمِ الْأَقَلِّيَّاتِ؟ تَبَخَّرَ الْمَشْرُوعُ أَمَامَ صُمُودِ الْجُغْرَافِيَا السِّيَاسِيَّةِ. • السَّيْطَرَةُ عَلَى النِّفْطِ وَمَضِيقِ هُرْمُزَ؟ تَنْسَحِبُ أَمْرِيكَا بَحْرِيًّا وَتَتْرُكُ الْمَضِيقَ لِلسِّيَادَةِ الْإِيرَانِيَّةِ مُقَابِلَ السَّمَاحِ الْآمِنِ بِالْمُرُورِ. الخُلَاصَةُ: أنه نَصْرٌ هُولِيوُودِيٌّ وَهَزِيمَةٌ وَاقِعِيَّةٌ. والقَوْلُ بِأَنَّ أَمْرِيكَا قَدْ "انْتَصَرَتْ" فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّزْيِيفِ البَصَرِيِّ؛ الَّذِي يَصْلُحُ لِأَفْلَامِ هُولِيوُودَ السِّينِمَائِيَّةِ فَقَطْ، لَكِنَّهُ يَنْهَارُ أَمَامَ حَقَائِقِ السِّيَاسَةِ عَلَى الأَرْضِ. فَحِينَمَا تَتَعَهَّدُ القُوَّةُ الأَكْبَرُ فِي العَالَمِ بِتَنْمِيَةِ اقْتِصَادِ خَصْمِهَا، وَتَسْحَبُ قُوَّاتِهَا بَحْرِيَّاً وَعَسْكَرِيَّاً خِلَالَ ثَلَاثِينَ يَوْمَاً، وَتَتْرُكُ لِخَصْمِهَا مَفَاتِيْحَ بَرْنَامَجِهِ النَّوَوِيِّ وَمَمَرَّاتِهِ المَائِيَّةِ.. فَهَذَا لَيْسَ انْتِصَارَاً أَمْرِيكِيَّاً، بَلْ هُوَ إِعْلَانٌ رَسْمِيٌّ عَنْ نِهَايَةِ زَمَنِ القُطْبِ الوَاحِدِ، وَاعْتِرَافٌ بِأَنَّ طَهَرَانَ لَمْ تَنْهَزِمْ بَلْ فَرَضَتْ شُرُوطَهَا وَكَلِمَتَهَا الأَخِيرَةَ. وَالحَقِيقَةُ الَّتِي يَخْشَى الكَثِيرُونَ الِاعْتِرَافَ بِهَا هِيَ: أَنَّ أَمْرِيكَا لَمْ تَنْتَصِرْ، وَإِيرَانُ لَمْ تَنْهَزِمْ.. وَالرَّاقِدُ تَحْتَ مِقْصَلَةِ الْهَزِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَالَّذِي سَيَدْفَعُ ثَمَنَ الْحَرْبِ وَالسِّلْمِ مَعًا.. هُوَ الْخَلِيجُ. وَيَبْقَى اللُّغْزُ الأَكْبَرُ: مَنْ يَدْفَعُ تَعْوِيضَاتِ الحَرْبِ؟ تَارِيخُ الصِّرَاعَاتِ البَشَرِيَّةِ يَحْمِلُ قَاعِدَةً صَارِمَةً لَا تَتَبَدَّلُ: "بَعْدَ نِهَايَةِ كُلِّ حَرْبٍ، يُجْبِرُ الطَّرَفُ المُنْتَصِرُ الطَّرَفَ المَنْهُوزَمَ عَلَى دَفْعِ تَعْوِيضَاتٍ مَالِيَّةٍ ضَخْمَةٍ"؛ كَمَا حَدَثَ مَعَ العِرَاقِ بَعْدَ حَرْبِ الخَلِيجِ، وَمَعَ أَلْمَانِيَا وَإِيطَالْيَا وَاليَابَانِ بَعْدَ الحُرُوبِ العَالَمِيَّةِ، وَمَعَ الصِّينِ وَاليُونَانِ فِي تَوَارِيخَ سَابِقَةٍ. لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ الصَّادِمَةَ هُنَا، هِيَ أَنَّ دُوَلَ الْخَلِيجِ هِيَ الَّتِي سَتَتَحَمَّلُ فِعْلِيًّا فَاتُورَةَ الـ (300) مِلْيَارِ دُولَارٍ كَتَعْوِيضَاتٍ تَحْتَ مُسَمَّى "إِعَادَةِ التَّأْهِيلِ وَالتَّنْمِيَةِ" الَّتِي سَتَحْصُلُ عَلَيْهَا إِيرَانُ! وَهِيَ النِّظَامُ نَفْسُهُ الَّذِي دَفَعَ قَبْلَهَا مِئَاتِ الْمِلْيَارَاتِ لِأَمْرِيكَا نَظِيرَ نَشْرِ مَنْظُومَاتِ الْحِمَايَةِ وَالدِّفَاعِ الْجَوِّيِّ. وَهُنَا يَطْرَحُ السُّؤَالُ نَفْسَهُ بِقُوَّةٍ: لِمَاذَا تَدْفَعُ دُوَلُ الْخَلِيجِ "تَعْوِيضَاتِ الْمَعْرَكَةِ" وَهِيَ لَمْ تُطْلِقْ رَصَاصَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ تَرُدَّ حَتَّى عَلَى الصَّوَارِيخِ الَّتِي كَانَ يُسْقِطُهَا الْأَمْرِيكَانُ وَالْإِسْرَائِيلِيُّونَ نِيَابَةً عَنْهَا؟ الْإِجَابَةُ تَكْمُنُ فِي فَلْسَفَةِ الْحَرْبِ: "الْجُيُوشُ الَّتِي لَا تُحَارِبُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.. تَنْهَزِمُ تِلْقَائِيًّا". لَقَدْ تَحَوَّلَتْ جُيُوشُ الْمِنْطَقَةِ، رَغْمَ أَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ مُسْتَوْرِدِي السِّلَاحِ فِي الْعَالَمِ وَتَمْتَلِكُ أَحْدَثَ التَّرْسَانَاتِ مُقَارَنَةً بِإِيرَانَ الْمُحَاصَرَةِ، إِلَى كَيَانَاتٍ تَفْتَقِدُ لِعَقِيدَةِ الْقِتَالِ الْفِعْلِيَّةِ، فَأَصْبَحَتْ جُيُوشًا خَامِلَةً، مُتْخَمَةً، وَعِبْئًا كَبِيرًا عَلَى الْأَوْطَانِ بَدَلَ أَنْ تَكُونَ دِرْعًا لَهَا. إِنَّهَا جُيُوشٌ لَا تَصْنَعُ سِلَاحَهَا، بَلْ تَكْتَفِي بِشِرَاءِ مَا يَسْمَحُ بِهِ الْغَرْبُ فَقَطْ بِمِئَاتِ الْمِلْيَارَاتِ مِنْ أَمْوَالِ الشُّعُوبِ، حَيْثُ تَذْهَبُ مِلْيَارَاتٌ أُخْرَى فِي جُيُوبِ الصَّفَقَاتِ وَالْعُمُولَاتِ (كَمَا جَسَّدَتْهُ قَدِيمًا فَضِيحَةُ الْيَمَامَةِ)، لِتُسْتَخْدَمَ هَذِهِ الْأَسْلِحَةُ فِي الْعُرُوضِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْمُبْهِرَةِ، ثُمَّ تُعَادُ إِلَى الْمَخَازِنِ لِيَأْكُلَهَا الصَّدَأُ.
السلطة الرابعة

صوت الشعب