معالى وزير الأوقاف؛؛
لا أحد يختلف على قيمة مشروع «دولة التلاوة» ، ولا على أهمية اكتشاف المواهب المصرية فى تلاوة القرآن الكريم والإبتهال والإنشاد الدينى ، فمصر التى أنجبت عمالقة التلاوة ليست بحاجة إلى من يذكّرها بمكانتها ، والحفاظ على هذا التراث واجب وطنى ودينى وثقافى.
لكن اسمح لى بمعاتبة المحب ، لا بمهاجمة المسؤول ،
ماذا عن «دولة الإمام»؟
فكما نحتاج إلى قارئ حسن الصوت ، نحتاج ــ وبدرجة أكبر ــ إلى إمام حسن العلم ، قادر على أن يجيب الناس عن أسئلتهم ، ويفقههم فى دينهم ، ويواجه الشبهات ، ويفرق بين صحيح الدين وما اختلط به من عادات وموروثات وأفكار مغلوطة.
الصوت الجميل قد يجذب الناس إلى المسجد ، وهذا أمر عظيم ، لكن العلم هو الذى يبقيهم على الطريق.
إن المسجد ليس محراباً للتلاوة وحدها ، وإنما مدرسة يومية مفتوحة أبوابها للناس جميعاً ، وفى الوقت الذى تتجه فيه الوزارة بقوة نحو اكتشاف وإعداد أجيال جديدة من القراء والمبتهلين ، يبقى السؤال المشروع :
أين المشروع الموازى لإعداد أئمة على قدر عالٍ من العلم والفقه والفكر والوعى؟
نحن بحاجة إلى إمام يعرف الفقه وأصوله ، ويدرك مقاصد الشريعة ، ويفهم العقيدة ، ويقرأ السيرة النبوية قراءة واعية ، ويملك أدوات التفسير ، ويستطيع أن يخاطب الشباب بلغة عصرهم دون أن يفرّط فى ثوابت الدين ،
والأهم من ذلك كله ، أن تعود الدروس العلمية المنتظمة إلى المساجد بصورة مؤسسية ومنهجية.
لماذا لا يكون لكل مسجد برنامج أسبوعى واضح ومعلن :
درس فى الفقه ، ودرس فى العقيدة ، ودرس فى السيرة ، ودرس فى التفسير ، إلى جانب التلاوة والإبتهال؟
لماذا لا يعرف المواطن أن فى مسجده إماماً مؤهلًا يستطيع أن يتعلم منه دينه ، بدلًا من أن يترك الساحة مفتوحة أمام مواقع التواصل ، والمقاطع المجهولة ، وأشخاص لا يعرف أحد مؤهلاتهم ولا مصادر علمهم؟
إن ترك الناس يبحثون عن إجاباتهم الدينية فى الفضاء الإلكترونى ، بينما المساجد صامتة علمياً ، قد يصنع فراغاً لا يظل فارغاً طويلًا؛ فالفراغ الدينى يملؤه دائماً أحد ، وليس بالضرورة أن يكون من أهل العلم.
معالى الوزير ؛؛
لسنا ضد «دولة التلاوة» ، بل نريدها مكتملة الأركان ،
نريد مصر دولة للتلاوة ، ودولة للفقه ، ودولة للعلم ،
ودولة للوعى الدينى الرشيد.
نريد أن نُخرّج قارئاً إذا قرأ أبكى القلوب ، وإماماً إذا تحدث أقام الحجة ، وإذا اختلف الناس ردّهم إلى العلم ، وإذا سأل شاب عن دينه وجده أمامه بعقل مستنير وقلب رحيم.
فالمسجد الذى يمتلك صوتاً عذباً دون علم قد يملأ المكان خشوعاً ساعة ، أما المسجد الذى يجمع جمال التلاوة وعمق العلم وحسن الخطاب فإنه يستطيع أن يصنع إنساناً.
وهنا جوهر الرسالة:
لا تجعلوا مشروع «دولة التلاوة» نهاية الطريق ، بل اجعلوه بداية لمشروع أكبر اسمه «دولة العلم».
فمصر لا تحتاج فقط إلى أصوات تحفظ للقرآن جماله فى الأسماع ، وإنما تحتاج أيضاً إلى عقول تحفظ للدين مكانته فى النفوس.
والعتاب هنا ليس على ما فعلتموه ، وإنما على ما نرجو أن تفعلوه.
فأصوات القراء تُسمع الناس كلام الله ،
أما العلماء والأئمة فيعلّمون الناس كيف يفهمون كلام الله ويعيشونه.
وهذه ــ فى ظنى ــ معادلة تستحق أن تكون على رأس أجندة وزارة الأوقاف فى المرحلة المقبلة.

صوت الشعب






