بين الفقه والطب والإعلام.. جدل الحشيش يعيد تسليط الضوء على مسؤولية الفتوى وتأثيرها المجتمع
أثار تصريح للدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، عاصفة من الجدل الديني والطبي والمجتمعي، بعد أن زعمت أن تعاطي الحشيش “ليس محرّمًا شرعًا” لعدم وجود نص صريح يُجرّمه، مشيرة إلى أنه “لا يُغيب العقل كالمسكرات”
هذه التصريحات، التي جاءت في وقت تكثف فيه الدولة حملاتها لمكافحة الإدمان، دفعت صندوق مكافحة وعلاج الإدمان لإصدار بيان شديد اللهجة، عبّر فيه عن قلقه البالغ إزاء ما وصفه بـ”تصريحات غير مسؤولة تُقوّض جهود التوعية وتُضلل الرأي العام”، مشددًا على أن الحشيش “مخدر يؤدي إلى هلوسة واضطرابات نفسية وعقلية جسيمة”.
الصندوق يُحذّر: خطورة التصريحات في مواجهة الإدمان
في بيانه، أوضح الصندوق أن مادة الحشيش تحتوي على مكونات تسبب الهلاوس والضلالات، وتؤثر على الرئة والدماغ والسلوك، كما أكد أن أكثر من 50% من طالبي العلاج عبر الخط الساخن 16023 كانوا من متعاطي الحشيش، ما يعكس حجم الإدمان المجتمعي على هذه المادة.
وأضاف الصندوق أن الأمم المتحدة حذّرت من أن السائقين تحت تأثير الحشيش تزيد نسبة تسببهم في الحوادث بثلاثة أضعاف، ما يعكس البعد الأمني والإنساني للأزمة.
كما كشف عن تنسيق يجري مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للتعامل مع مثل هذه التصريحات إعلاميًا، مؤكدًا ضرورة التصدي لها لما تمثله من خطر على الاستراتيجية القومية لمكافحة المخدرات
دار الإفتاء: المخدرات بجميع أنواعها حرام شرعًا
من جهتها، أصدرت دار الإفتاء المصرية فتاوى صريحة تؤكد حرمة تعاطي المخدرات بجميع أشكالها ومسمياتها، سواء كانت طبيعية أو صناعية، لما فيها من ضرر بالغ على النفس والعقل، وهي مقاصد أساسية حثّ الإسلام على حفظها.
وأكدت الدار أن الإسلام لا يكتفي بتحريم الضرر فقط، بل يحرّم كل وسيلة تؤدي إليه، ومن ثم فإن تعاطي الحشيش “حرام شرعًا”، شأنه شأن الخمر وسائر المسكرات والمخدرات.
بين الفقه والطب: من يملك القول الفصل؟
رغم أن الدكتورة سعاد صالح حاولت التمييز بين “الفتوى والدعوة”، وأكدت أن الفقه يقوم على الدليل والتفصيل، إلا أن حديثها عن أن الحشيش “لا يُسْكِر” يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة تتجاوز الاجتهاد الفقهي إلى البُعد الطبي والبحثي المتخصص.
وفي هذا السياق، يطرح كثير من المختصين تساؤلات حول حدود تدخل الفقه في الأمور الطبية، مؤكدين أن غياب التنسيق بين المؤسسات الدينية والعلمية قد يؤدي إلى تضارب في الرسائل الموجهة للمجتمع.
تأثير الفتوى الإعلامية على المجتمع
تكمن خطورة هذا الجدل في توقيته، خاصة أن مصر تشهد ارتفاعًا في نسب تعاطي المخدرات، بحسب تقارير حكومية. وبالتالي فإن أي تصريحات ذات طابع ديني تمنح غطاء شرعيًا لتعاطي الحشيش قد تُستخدم كمبرر لانتشاره، لا سيما في أوساط الشباب والمراهقين.
ويرى مراقبون أن الفتوى لم تعد مجرد رأي علمي يُناقش في أروقة الجامعات، بل أصبحت أداة ذات تأثير مباشر بفعل سرعة انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يحمّل المؤسسات الدينية والأكاديمية مسؤولية مضاعفة.
دعوات لضبط الفتوى وربطها بالعلم والمصلحة العامة
في ختام الجدل، يدعو مختصون ومتابعون إلى ضرورة تفعيل آلية علمية مشتركة بين العلماء الشرعيين والأطباء وخبراء الإدمان، لضبط الفتوى وربطها بالحقائق العلمية ومقتضيات المصلحة العامة.
كما يؤكدون على ضرورة أن تتحمّل وسائل الإعلام مسؤوليتها في عدم تمرير التصريحات المثيرة للجدل دون تمحيص أو تقديم رأي علمي مقابل، تجنبًا لنشر الفتاوى المضللة التي قد تُحدث أضرارًا اجتماعية وصحية لا تُحمد عقباها.
الخلاصة :
بين الفقه والطب والإعلام، تبقى الفتوى مسؤولية كبرى، لا تحتمل الاجتهاد المنفصل عن الواقع والحقائق. ففي قضايا خطيرة مثل المخدرات، لا مجال لوجهات النظر المجردة، بل لا بد من التكامل بين الأدلة الشرعية والبراهين العلمية لحماية العقول والأرواح من الضياع.




