شعب يخاف ما يختشيش

«شعب يخاف ما يختشيش» ليست جملة عابرة، بل تعبير دقيق عن منطق حكم اعتبر الخوف أداة ضبط أساسية، والعقوبة حلًا جاهزًا لكل خلل، فغابت السياسة، وتراجعت العدالة، وبقي المواطن بين الخوف وفقدان الثقة.

في هذا السياق يمكن فهم موجات تشديد العقوبات التي تعلن عنها الحكومة من وقت لآخر، حيث يتم تقديم كل قرار جديد باعتباره علاجًا نهائيًا لمشكلة قائمة، وكأن أصل الأزمات كان دائمًا في ضعف العقوبة لا في ضعف الرقابة ولا في غياب العدالة في التنفيذ، وكأن الخلل في سلوك المواطن وحده، لا في طريقة إدارة الدولة نفسها، وتأتي التعديلات الأخيرة على قانون المرور بوصفها مثالًا واضحًا على هذا المنطق، لا لأنها تخص المرور فقط، بل لأنها تكشف طريقة أوسع في التعامل مع المجتمع، طريقة تميل إلى استخدام العصا قبل أن تسأل نفسها: هل أدوات التنظيم والرقابة جاهزة أصلًا؟ وهل من يطبق القانون مؤهل وقادر على تنفيذه بعدالة؟

 

قانون المرور من أكثر القوانين التصاقًا بحياة الناس، ويحتك فيه المواطن بالدولة يوميًا تقريبًا، ولذلك فإن أي تغيير فيه لا يُقاس فقط بقيمة الغرامة أو شدة العقوبة، بل بالإحساس العام بالعدالة عند التطبيق، فحين تُشدد العقوبات في ظل شوارع غير منظمة، وإشارات غير واضحة، وتفاوت كبير في طريقة التنفيذ من مكان لآخر، يشعر المواطن أن المشكلة لم تكن يومًا في قلة العقوبة، بل في غياب النظام نفسه، وأن الدولة اختارت الطريق الأسهل بدل الطريق الصحيح.

 

التجربة اليومية لأي مواطن تقول إن أغلب الناس لا تفكر في رقم الغرامة وهي تخالف، لكنها تفكر جيدًا في احتمال أن تُطبَّق عليها العقوبة من عدمه، وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين قانون بسيط يُطبَّق على الجميع فيحترمه الناس، وقانون شديد يُطبَّق بانتقائية فيفقد هيبته مهما بلغت قسوته، لأن القانون لا يعيش في نصوصه، بل في طريقة تنفيذه، وفي عدالة من يملكون سلطة تطبيقه.

 

ويزداد الأمر تعقيدًا حين نتجاهل واقع جهات الرقابة والتنفيذ نفسها، فافتراض أن هذه الجهات تعمل بكفاءة كاملة وجاهزية عالية ليس دقيقًا، إذ تعاني في كثير من الأحيان من ضغط الأعداد، وضعف التدريب، وتفاوت الفهم القانوني، وغياب معايير موحدة للتطبيق، وهو ما يجعل المخالفة لا تُقاس بنص القانون بقدر ما تُقاس بتقدير الشخص الذي يطبقه، وبالظرف، وبالمكان، وهو شعور يلمسه المواطن بوضوح ويهز ثقته في العدالة، مهما كانت نوايا التشريع.

 

هذه الطريقة في التفكير لا تتوقف عند المرور، بل تمتد إلى ملفات أخرى أكثر حساسية، وعلى رأسها المجال السياسي، حيث تميل الدولة، كلما واجهت ضعفًا في التنظيم أو تراجعًا في المشاركة العامة، إلى التضييق بدل الإدارة، وإلى المنع بدل التنظيم، وكأن السياسة خطر يجب احتواؤه لا مساحة طبيعية للاختلاف والمشاركة، فيُدار العمل الحزبي بنفس منطق المخالفة، ويُنظر إلى المعارض بعين الاشتباه لا باعتباره جزءًا من المجال العام، وهو ما يكشف غياب الحكومة السياسية القادرة على إدارة التنوع وتحويل الخلاف إلى طاقة تنظيم، والاكتفاء بدلًا من ذلك بمنطق الردع الذي قد يفرض صمتًا مؤقتًا لكنه لا يصنع استقرارًا حقيقيًا.

 

حين تغيب الحكومة السياسية، يصبح الكرباج هو الأداة الجاهزة لكل الملفات، سواء كانت مرورية أو اجتماعية أو سياسية، وتتحول العقوبة إلى بديل عن الإصلاح، والمنع إلى بديل عن التنظيم، ويتراجع السؤال الحقيقي عن كفاءة الإدارة وجاهزية الرقابة، ويتم تحميل المواطن مسؤولية فشل لم يكن طرفًا رئيسيًا في صناعته.

 

الدولة القوية ليست تلك التي تكثر من العقوبات، بل التي تملك جهازًا إداريًا مؤهلًا، ورقابة حقيقية، وتنفيذًا عادلًا لا يفرّق بين الناس، فالقانون لا ينجح لأنه مخيف، بل لأنه مفهوم، ومُطبَّق بعدالة، ويشعر المواطن أن الالتزام به يحميه بدل أن يهدده.

 

في النهاية، لا يمكن الحديث عن الانضباط أو احترام القانون بمعزل عن طريقة تفكير الدولة نفسها، فالقانون ليس عصًا تُرفع في وجه المجتمع، بل إطار ينظم العلاقة بين الدولة والمواطن، وحين تختزل السلطة دورها في العقاب، وتتجاهل مسؤوليتها عن التنظيم والرقابة والتأهيل، فهي لا تعالج الخلل، بل تؤجله وتعمّقه. الدولة التي تريد نظامًا حقيقيًا لا تبدأ بتغليظ الغرامات، بل ببناء حكومة سياسية قادرة على الإدارة والمحاسبة وتحمل المسؤولية، لأن المواطن لا يُطالَب باحترام قانون لا يُطبَّق بعدالة، ولا يُحاسَب على فشل لم يكن شريكًا في صناعته، فالعدالة لا تُقاس بشدة العقوبة، بل بصدق الدولة مع نفسها قبل أن تكون صارمة مع مواطنيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!